مافيا القلوب
ليست كلُّ العصابات تُشهر سلاحها، ولا كلُّ الجرائم تُرتكب في الظلّ؛ ثَمّة مافيا ناعمة تتحرّك بأصابع مخملية، وتتسلّل إلى الأرواح من بوابة اللطف والاهتمام فتسرق النبض دون شبهة، لا تُهدِّد بل تُغري، لا تقتحم بل تُستضاف، تدخل بابتسامة محسوبة وتُقيم في مساحات الثقة ثم تُعيد ترتيب المشاعر وفق مصلحتها حتى يغدو القلب رهينة وهو يظنّ نفسه حرًّا، هم لا يعرفون الحبّ التزامًا بل إدارةً ذكية للعاطفة، يمنحون قربًا مُقنّنًا ويصنعون غيابًا مقصودًا ليُبقوا الطرف الآخر معلّقًا بين الشوق والانتظار، الأخطر أنهم يتقنّعون بهيئة الحلم فيُربكون الحدس ويُقدّسون الألم باسم التفهّم حتى يكتمل السطو ويخلّف فوضى في المعنى لا جرحًا فقط، لكن الوعي قانون لا تُسقطه الحيل؛ فالحبّ لا يُدار كصفقة ولا يُستعمل كورقة ضغط ولا يُقاس بالتحمّل، ومافيا القلوب تنهزم حين تُغلق أبواب التلاعب وتُفهم أن الاهتمام المتقطّع ليس شغفًا وأن الغياب المتكرّر ليس ظرفًا وأن الحضور الحقيقي لا يُساوَم عليه، فالحبّ مقامٌ كريم لا ساحة نفوذ، والقلب سيّد نفسه لا تابعًا لابتزازٍ عاطفي، والسكوت المتعمَّد لغة قهر لا حيرة، والوعود المؤجَّلة ديون تُفلس الثقة، والجرعات الصغيرة من الحنان سُمٌّ بطيء، والانتظار الطويل تآكلٌ للكرامة، والتعلّق الأعمى فقدان بوصلة، والحدود حراسة لا قسوة، والوضوح نجاة لا فظاظة، والاختيار وعي لا قَدَر، والانصراف الهادئ انتصار لا هزيمة، والشفاء قرار لا صدفة، والبصيرة درع لا جدار، والحرية شرط الحبّ لا ثمنه؛ لذلك احمِ قلبك بالبصيرة ودع الحبّ علاقةً تُنقذك لا لعبةً تُستنزف فيها، فالقلب خُلق حرًّا نقيّ الاختيار عصيًّا على مافيا المشاعر.
