تحت الأنقاض تُكتَب الحقيقة بلا رتوش
ليست كلُّ الكتابة ترفًا، ولا كلُّ الحروف تُولد في الضوء فثمّة نصوصٌ لا تُكتب إلا بعد انهيارٍ ما، وبعد أن تسقط الجدران التي كنّا نحتمي بها، وتنكشف المساحات التي كُنّا نُخفيها حتى عن أنفسنا. فهناك تحت الأنقاض، حيث لا شهود سوى الصمت، فتبدأ الحكاية الحقيقية، لا كما أردناها بل كما حدثت فعلًا.
وليست الأنقاض دائمًا حجارةً مكسورة، أحيانًا تكون بقايا علاقة، أو حلمٍ تهشّم، أو ثقةٍ لم تحتمل أول اختبار، أو قلبٍ كان يظنّ أنه أقوى مما هو عليه. ومن تحت هذا الركام تخرج النصوص مختلفة، لا تتزيّن، لا تتكلّف، بل تأتي عاريةً من كلّ شيء إلا من الصدق الذي لا يُجيد التمثيل.
فهي نصوصٌ كُتبت حين لم يعد هناك ما يُخشى فقدانه، وحين صار الألم أوضح من المجاملة، والحقيقة أصدق من الصمت، والبوح أقلّ كلفة من الاختناق. فهناك لا تكتب لتُعجب أحدًا، بل لتنجو، لتتنفّس، لتُخرج ما تراكم حتى لا يُغرقك.
فالنصوص التي تولد من الرفاهية تُتقن الصياغة، لكن النصوص التي تولد من الانهيار تُتقن الوصول، فالأولى تُقرأ، والثانية تُصيب، والأولى تُعجبك، والثانية تُشبِهك.
وفي كلّ سطرٍ منها قطعةٌ منك، لحظةُ ضعفٍ لم تُعلنها، اعترافٌ تأخّر كثيرًا، أو سؤالٌ ظلّ معلقًا في داخلك حتى نطق رغمًا عنك. فالأنقاض ليست نهاية الحكاية، بل بداية اللغة، وبدايةُ حكايةٍ ناطقة سُجنت طويلًا خلف ستار الاكتفاء فهناك تتعلّم أن الكلمات ليست حروفًا، بل آثار نجاة، وأن الجُمل ليست ترتيبًا لغويًا، بل محاولة لإعادة ترتيب الفوضى التي حدثت داخلك. فتتعلّم أن الصمت، حين يطول، لا يُداوي بل يُثقِل، وأن الكتابة، حين تصدق، تُنقذ ما تبقّى منك.
فمن تحت الأنقاض، تخرج النصوص بلا رتوش، لا تخاف أن تقول تعبت، ولا تتردّد أن تعترف انكسرت، ولا تتجمّل حين تهمس اشتقت، ولا تُخفي الحقيقة حين تصرخ خُذلت.
فهي نصوصٌ لا تبحث عن إعجاب، بل عن فهم، ولا تُراهن على التصفيق، بل على أن تجد قلبًا يشبهها، وروحًا تقرأها فتقول هذا أنا. وهنا تتحوّل الكتابة من مهارة إلى موقف، ومن اختيار إلى ضرورة، ومن حروف إلى نجاة.
فالذي لم ينهار يومًا قد يُجيد الكتابة، لكن الذي كُسِر يُجيد الصدق، والصدق هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تخضع لزخرفة، ولا تعرف المجاملة.
ومن الغريب أن أجمل النصوص لا تُكتب في أوقات السعادة، بل في اللحظات التي نظن أننا انتهينا فيها، لأن الإنسان حين يفقد توازنه، يقترب من حقيقته، ويخلع أقنعته، ويقول ما كان يخشاه بصوتٍ واضح.
فالأنقاض، رغم قسوتها، تُعيد ترتيب الإنسان من الاعماق، فتُسقط الزوائد، وتُزيل الادّعاءات، وتُبقي الجوهر فقط، وما بقي هو ما يُكتب، وما كُتب بصدق يبقى.
وليست المشكلة في أن تسقط، بل في أن لا تُدوّن سقوطك، فالسقوط الذي لا يُكتب يتكرّر، والوجع الذي لا يُفهم يتضاعف، وما يُواجه بصدق يخفّ.
فاكتب حتى لو ارتجفت يدك، واكتب حتى لو خذلك التعبير، واكتب لأن ما لا يُقال يتحوّل إلى ثقل، وما لا يُكتب يتحوّل إلى ندبة، وما لا يُفهم يتحوّل إلى تكرارٍ مؤلم.
ودع بعض النصوص تخرج بلا ترتيب، بلا تنميق، بلا خوف، فبعض الجروح لا تحتاج إلى تجميل، بل إلى اعتراف، وبعض الحكايات لا تُروى لتُعجب بل لتولد من جديد.
وفي النهاية ليست النصوص التي تُكتب من فوق الطاولة هي الأصدق، بل تلك التي تُسحب من تحت الأنقاض، وتكون محمّلةً بغبار التجربة، ومشبعةً بحرارة ما حدث، نصوصٌ لا تُجامل لأنها عاشت الحقيقة، ولا تخاف لأنها سقطت من قبل، ولا تتردّد لأنها لم يعد لديها ما تخسره.
وهكذا يكتشف الإنسان أن ما ظنّه نهاية كان بداية، وأن ما كسره هو ما كشفه، وأن صوته الحقيقي لم يولد إلا بعد أن سقط كلّ ما كان يخفيه.
