بين علم الطاقة وقانون الجذب حين يتزيّن الوهم بلباس العلم
في زمنٍ تتسارع فيه المفاهيم كما تتسارع التقنيات، فلم يعد الإنسان يكتفي بما هو محسوس، بل صار يفتّش عمّا وراء الظاهر، عن معنى يُطمئن قلقه، وعن سرٍّ يُعيد ترتيب فوضى روحه. ومن هنا، برزت مصطلحات لامعة تتردّد في المجالس والمنصّات، ولعلّ أبرزها”علم الطاقة” و”قانون الجذب”. فهما مصطلحان يتشابهان في بريقهما، ويختلفان في جوهرهما، ويلتقيان عند نقطةٍ حسّاسة بين العلم والوهم، وبين الفلسفة والتجربة الإنسانية.
فحين يُذكر “علم الطاقة”، يتبادر إلى الذهن ذلك العالم الخفي الذي يُقال إنه يسري في الجسد، يُوازن انفعالاته، ويُعيد ترتيب اضطراباته. وهو خطابٌ يُخاطب الإنسان من داخله، من حيث لا يرى، ويَعِده بأن خلف هذا الجسد الظاهر منظومة غير مرئية، إن اعتُني بها، استقامت النفس وسكن الجسد. غير أن هذا المفهوم، في صورته الشائعة، لا يقف على أرضٍ علمية صلبة، بل يتكئ على تأويلات فلسفية وتجارب شخصية، تُشبه في كثيرٍ من الأحيان محاولة الإنسان القديمة لفهم ذاته حين يعجز عن تفسيرها بلغة العلم.
أما “قانون الجذب”، فهو حكاية أخرى، تبدأ من الفكرة وتنتهي بالقدر حيث يقول لك فكّر، تُستجب لك الحياة، تخيّل، تتشكّل لك الوقائع. وكأن العالم صفحة بيضاء، والقلم في يدك، لا في يد السنن الكونية. وهنا يتحوّل الفكر من أداة إدراك إلى فعل الإبداع ، ومن وسيلة توجيه إلى وهم تحكّم. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للفكرة أثرًا، وأن للنية حضورًا، وأن الإنسان حين يُحسن توجيه عقله، يُحسن في الغالب توجيه أفعاله، ومن ثم نتائجه.
ومن خلال متابعةٍ واسعة لما يُطرح في منصّات التواصل، يبدو أن هذين المفهومين على اختلافهما يمتلكان قدرةً لافتة على الإقناع، لا لصلابة حجّتهما، بل لحسن تقديمهما. فهما يُصاغان بلغةٍ قريبة من النفس، وتُداعب احتياجات الإنسان العميقة وحاجته للسيطرة، ورغبته في تفسير ما يعجز عن فهمه، وتوقه الدائم لأن يكون أقلَّ عجزًا أمام تقلبات الحياة. غير أن هذا الإقناع مهما بدا براقًا لا يكفي ليمنح الفكرة صفة الحقيقة، ولا ليُخرجها من دائرة الانطباع إلى يقين البرهان.
وبين هذين المفهومين، تقف الفلسفة موقف المتأمّل لا المُسلِّم. فهي لا تُنكر أثر النفس في الجسد، ولا تُنكر أثر الفكر في السلوك، لكنها تُحذّر من القفز فوق السنن، ومن تحويل التجربة الإنسانية إلى “قوانين مطلقة” بلا دليل. فليس كل ما يُشعرك بالراحة حقيقة، وليس كل ما يتكرّر في التجارب الفردية يصلح أن يكون قاعدة عامة.
فالعلم، في جوهره، لا يعادي المعنى، لكنه يطلب البرهان. يختبر، ويقيس، ويُكرّر، قبل أن يُسلّم. ومن هنا، فإن ما يُسمّى “علم الطاقة” في صورته الرائجة، لا يجد له مكانًا في المختبرات، بل في فضاء التجارب الذاتية. وكذلك “قانون الجذب”، لا يقوم على معادلات يمكن اختبارها، بل على سرديات تُغذّي الأمل، وتُخفّف وطأة العجز.
ومع ذلك، فإن الخطأ لا يكمن في البحث عن الطمأنينة، بل في الطريق إليها. فالإنسان يحتاج إلى ما يُسكّن روحه، ويُعيد توازنه، لكن هذا لا يعني أن يستبدل الحقيقة بالوهم، أو يُسلّم عقله لكل فكرةٍ تُزيّن له الطريق. فما بين الفائدة النفسية والادّعاء الكوني خيطًا دقيقًا، من تجاوزه، انتقل من الحكمة إلى السذاجة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به المرء من هذا الجدل، هو أن يُعيد الأمور إلى نصابها، وبأن يرى في التفكير الإيجابي وسيلة، لا معجزة، وأن يفهم في الاسترخاء راحة، لا علاجًا غيبيًا، وأن يُدرك أن الكون لا يُدار بالأماني، بل بالسنن، وأن الإنسان، مهما امتلك من وعي، يبقى جزءًا من نظامٍ أكبر، لا سيّدًا عليه.
وفي النهاية، ليست المشكلة في علم الطاقة ولا في قانون الجذب بقدر ما هي في طريقة تلقّيهما. فحين نضعهما في حجمهما الطبيعي، كأدواتٍ نفسية أو تأملية، قد نجد فيهما ما ينفع. أما حين نُلبسهما ثوب الحقيقة المطلقة، فإننا نُغامر بعقولنا، ونُسلّمها لخطابٍ جميل لكنه بلا أساس.
وهكذا، يبقى الإنسان بين حاجته للمعنى، وضرورة الحقيقة، يمشي على خيطٍ رفيع إن مال كثيرًا نحو الوهم، ضاع، وإن تمسّك بالعقل وحده دون روح، جفّ. والحكمة كل الحكمة أن يُبصر الاثنين، دون أن يخلط بينهما.
