BlogUncategorizedالموقعُ الذي لا تكشفُهُ الأقمارُ الصناعية

الموقعُ الذي لا تكشفُهُ الأقمارُ الصناعية

ليسَ السؤالُ الحقيقي أينَ تسكن؟ ولا في أيِّ مدينةٍ تقيم؟ ولا أيَّ أرضٍ تحملُ عنوانَكَ البريدي.

فالموقعُ الجغرافيُّ الحقيقي لا تُحدّدهُ الخرائط، ولا تُثبتهُ الأقمارُ الصناعية، ولا تختصرهُ خطوطُ الطولِ والعرض، بل تصنعُهُ مكانتُكَ في القلوب، وقيمتُكَ في الوعي، وأثرُكَ في الأرواح.

فقد يعيشُ إنسانٌ في أقصى الأرض، لكنَّهُ يسكنُ ذاكرةَ الملايين، وقد يقفُ آخرُ في قلبِ المدنِ المزدحمة، لكنَّهُ لا يملكُ موضعًا حتى في ذاكرةِ أقربِ الناسِ إليه.

فما هو موقعُكَ الجغرافي؟ فهل أنتَ في قمّةِ الرُّقي ، أم في قاعِ الضجيج؟ وهل موقعُكَ بينَ القلوبِ النبيلة، أم في زحامِ الأرواحِ العابرة التي لا تتركُ خلفَها إلّا التعب.

فهناكَ بشرٌ لا يحتاجونَ إلى تعريف، حيث يكفي حضورُ أسمائِهم حتى تشعرَ أنَّ للمكانِ قيمة، وأنَّ للحديثِ أناقة، وأنَّ للروحِ أثرًا يشبهُ الطمأنينة.

وهناكَ آخرون كلّما اقتربوا ازدادتِ المسافاتُ اتّساعًا، لأنَّ القربَ منهم يُرهقُ القلب، ويُطفئُ المعنى، ويجعلُ الأرواحَ تبحثُ عن النجاة.

فما هو موقعُكَ الجغرافي؟ فهل أنتَ في جهةِ الضوء، أم في زوايا العتمة؟ وهل إذا حضرتَ شعرَ الناسُ بالسكينة، أم شعروا بثقلِ الضجيج؟

فبعضُ البشرِ يشبهونَ الأوطان، إذا اقتربتَ منهم شعرتَ بالأمان، وبعضُهم يشبهونَ المنافي، كلّما طالتِ الإقامةُ فيهم ازدادتِ الروحُ اغترابًا.

والموقعُ الحقيقيُّ للإنسان ليسَ حيثُ يقفُ جسدُه، بل حيثُ تقفُ قيمتُه، وهناكَ فرقٌ هائل بينَ من يسكنُ الأرض، ومن يسكنُ القلوب.

فالأرواحُ الراقية لا تُقاسُ بعناوينِها، بل بما تمنحُهُ للعالمِ من أثر، وهدوء، ونُبل، وجمالٍ داخليّ يجعلُ حضورَها أشبهَ بحديقةٍ تعبرُها الأرواحُ فتزهر.

فما هو موقعُكَ الجغرافي؟ فهل أنتَ في ذاكرةِ الناسِ الجميلة، أم في قائمةِ الخيبات؟ وهل إذا غادرتَ مكانًا تركْتَ خلفكَ دعاءً، أم ندبة؟

فهناكَ أشخاصٌ تمرُّ أعوامٌ طويلة على غيابِهم، لكنَّ أثرَهم يبقى حيًّا، كأنَّ أرواحَهم زرعتْ في الأماكنِ شيئًا من الخلود.

وهناكَ مَن يعيشونَ بينَ الناسِ كلَّ يوم، لكنَّهم لا يتركونَ أيَّ أثر، كأنَّهم عبروا الحياةَ دون أن يمرّوا بها .

فما هو موقعُكَ الجغرافي؟ فهو سؤالٌ لا تُجيبُ عنهُ المدن، ولا الخرائط، بل تُجيبُ عنهُ أخلاقُكَ، وطريقةُ عبورِكَ في حياةِ الآخرين.

فأجملُ المواقعِ أن تكونَ في جهةِ الطمأنينة، وفي مساحةِ الاحترام، وفي قلبِ كلِّ إنسانٍ شعرَ يومًا أنَّ وجودََ كان نعمةً لا تُنسى.

وفي النهاية لن يسألَ الزمنُ يومًا عن المدينةِ التي سكنتَها، بل عن الأثرِ الذي تركتَه، وعن الأرواحِ التي أضاءها حضورُكَ، وعن المكانِ الحقيقيِّ الذي احتللتَهُ في قلوبِ البشر.

IMG 20260613 WA0031

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب