BlogUncategorizedالمملكة والحج.. حين تتحدث الأرض بلغة السماء

المملكة والحج.. حين تتحدث الأرض بلغة السماء

في كل عام، وقبل أن تبدأ خطى الحجيج بالسير نحو المشاعر المقدسة، تكون القلوب قد سبقتها بأشواط طويلة. فالحج لا يبدأ عند المطارات، ولا عند المنافذ، ولا حتى عند أول خطوة في مكة المكرمة، بل يبدأ من لحظةٍ يستيقظ فيها الشوق داخل الروح، فتشعر أن القلب قد ارتحل قبل الجسد، وأن الإنسان أصبح مدفوعًا بنداءٍ أقدم من التاريخ نفسه، وأعمق من حدود المكان والزمان.

ثم يبدأ المشهد الذي لا يشبه شيئًا آخر على وجه الأرض، فأمواجٌ بشرية لا تتوقف، وأفئدة جاءت من الجهات الأربع، وألسنة تنطق بلغات مختلفة، ووجوه تحمل ملامح أوطان بعيدة، لكنها في النهاية تصل إلى نقطة واحدة، وتلتقي في اتجاهٍ واحد، وتردد نداءً واحدًا لبيك اللهم لبيك.

فهنا تتراجع كل الفوارق التي صنعها البشر بينهم، فلا مكان للحدود، ولا للأسماء الطويلة، ولا للمناصب، ولا للصور التي اعتاد الناس أن يظهروا بها أمام العالم. حيث يقف الجميع في مشهدٍ مهيبٍ يشبه العودة الأولى إلى حقيقة الإنسان، مجرد روح جاءت تبحث عن الطمأنينة، وعن لحظة صفاء بينها وبين خالقها.

وفي قلب هذا المشهد العظيم، تقف المملكة العربية السعودية وهي تحمل شرفًا استثنائيًا لا يشبه أي مسؤولية أخرى. شرفٌ لا يُقاس بحجم ما يُقدَّم من خدمات فحسب، بل بما يحمله من رسالةٍ عظيمة ومسؤوليةٍ تاريخية ودينية وإنسانية.

فخدمة ضيوف الرحمن ليست عملاً موسميًا يبدأ مع رؤية أول قافلة للحجاج ثم ينتهي بانتهاء المناسك، بل هي عملٌ يبدأ قبل ذلك بوقتٍ طويل، وتُبذل فيه جهود لا يراها الناس كلها، وتُسخّر له طاقات ضخمة وخطط دقيقة ومشروعات هائلة، حتى يصل الحاج وهو يشعر أن هناك من كان ينتظره قبل أن يصل.

ولقد تغيّرت ملامح الحج كثيرًا عبر الزمن. حيث كانت الرحلة في الماضي محفوفة بالمشقة، وكان الوصول إلى مكة المكرمة حلمًا قد يستغرق شهورًا طويلة، وكانت الطرق تحمل معها التعب والخوف والتحديات. أما اليوم، فقد تحولت الرحلة إلى تجربةٍ تسير وفق منظومة متكاملة من التنظيم والأمن والرعاية والتقنيات الحديثة، حتى أصبح الحاج يتفرغ لما جاء من أجله، العبادة والخشوع والسكينة.

وحين يتأمل الإنسان هذا المشهد، يدرك أن ما يحدث ليس مجرد إدارة لأعدادٍ هائلة من البشر، بل هو درسٌ إنساني عظيم في معنى المسؤولية والإخلاص والعمل. فملايين البشر يتحركون في توقيتات متقاربة وفي مساحات محددة، ومع ذلك تمضي الأمور بانسيابيةٍ مدهشة تقف خلفها جهود رجال عظماء يعملون بصمت، لا ينتظرون تصفيقًا ولا يبحثون عن أضواء، لأن أعظم ما يحملونه هو شعورهم بأنهم يخدمون ضيوف الرحمن.

وهكذا تمضي المملكة عامًا بعد عام في أداء رسالتها العظيمة، لا بمنطق الواجب فقط، بل بمنطق الشرف الذي تحمله في وجدانها قبل أن تحمله في مسؤولياتها. فهي لا تستقبل الحجاج باعتبارهم عابرين للأرض، بل باعتبارهم ضيوفًا على القلب قبل المكان.

ولذلك يبقى الحج مشهدًا يتجاوز كونه موسمًا دينيًا، ويبقى أكبر من أن يُقرأ بلغة الأرقام والإحصاءات والمشروعات وحدها، لأنه في حقيقته صورة إنسانية عظيمة يلتقي فيها الإيمان بالخدمة، والروح بالعطاء، والوطن برسالته الخالدة.

 

IMG 20260521 WA0127

 

 

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب