السعودية.. معادلة الأرض والإنسان
ليست كل أرض قادرة على أن تتحول إلى وطن ذي مهابة وليست كل الأوطان قادرة على أن تصنع من تاريخها قوةً لحاضرها ومن إنسانها رهانًا لمستقبلها. والسعودية واحدة من تلك التجارب الاستثنائية التي لم تكن الجغرافيا فيها مجرد حدود على الخريطة بل كانت مهدًا لتكوين دولة راسخة وصياغة إنسان تشكّلت في وجدانه قيم الانتماء والوفاء والكرامة حتى غدت الأرض والإنسان والقيادة أضلاعًا لحكاية واحدة اسمها المملكة العربية السعودية.
ومن قلب هذه الأرض انطلقت ملحمة التوحيد على يد المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي لم يكن يجمع مناطق متناثرة فحسب بل كان يؤسس دولة ويصوغ هوية ويبني عقدًا وطنيًا تتوارثه الأجيال. ومن هنا كانت عبقرية التأسيس إذ تحولت المسافات الشاسعة والبيئات المتنوعة إلى وطن واحد واجتمعت القلوب قبل أن تلتقي الحدود وأصبحت الراية عنوانًا لكيان يعرف وجهته ويملك إرادة البقاء والنهوض.
ثم تعاقب أبناء المؤسس الملوك فحمل كل عهد مسؤوليته وأضاف إلى البناء لبنة وإلى الدولة مؤسسة وإلى الإنسان فرصة حتى وصلت السعودية إلى عهد سيدي ومولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وهي تحمل إرثًا سياسيًا عريقًا ودولةً ناضجة تعرف مكانها ومكانتها. وفي عهده ازدادت المملكة رسوخًا في ثوابتها وحضورًا في محيطها وتأثيرًا في العالم وأثبتت أن قوة الدول لا تُختصر في مواردها بل في صلابة قرارها واتزان سياستها والتفاف شعبها حول قيادتها.
ومع سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دخلت السعودية طورًا جديدًا من صناعة المستقبل إذ لم يعد الطموح مساحةً للأمنيات بل أصبح منهجًا تقاس نتائجه بالأرقام والمشروعات والتحولات. فجاءت رؤية السعودية 2030 لتفتح نوافذ غير مسبوقة أمام الاقتصاد والاستثمار والتقنية والسياحة والثقافة والصناعة والرياضة ولتنقل الإنسان السعودي من انتظار الفرصة إلى صناعتها ومن الاكتفاء بالمشاركة إلى المنافسة على الريادة.
وهنا تتجلى القصة الأعمق فالسعودية لم تصنع دولةً فقط بل صنعت إنسانًا سعوديًا يعرف أن وراءه تاريخًا يستحق الوفاء وأمامه مستقبلًا يستحق العمل. إنسانًا إذا حمل راية وطنه حمل معها معنى السيادة وإذا مثّل بلاده أدرك أنه يحمل اسم دولة ذات ثقل وإذا واجه التحديات استدعى من ذاكرة أجداده قدرةً فريدة على تجاوز الصعاب. ولذلك لم يكن المواطن تفصيلًا في مشروع التنمية بل أصبح محوره وأداته وغايتها الأسمى.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين تبدو الصورة أكثر اكتمالًا فأمامنا أرض احتضنت البدايات ودولة عبرت عقود البناء بثبات وإنسان يشارك اليوم في كتابة فصل جديد من تاريخها. وبين ذاكرة الدرعية واتساع الرياض وبين إرث الآباء وطموحات الأبناء تمتد سيرة وطن لم يسمح للماضي أن يقيده بل جعله قاعدةً ينطلق منها إلى فضاءات أرحب.
إن السعودية ليست أرضًا صنعت دولةً وحسب بل وطنٌ صنع إنسانه وصنع الإنسان بدوره نهضة وطنه. وتلك معادلة المجد التي لا تُشترى ولا تُستعار لأنها تنبت من عمق الأرض وتسكن الوجدان وتترسخ بالمواقف. ولهذا نحتفل باليوم الوطني لا لأن عامًا جديدًا أضيف إلى عمر المملكة بل لأن السعودية تضيف في كل عام معنى جديدًا إلى معنى الوطن.
فهذه السعودية أرضٌ أنجبت دولةً عظيمة ودولةٌ صنعت إنسانًا يليق بها وإنسانٌ يمضي بها نحو مستقبل لا يرضى إلا بالمقدمة.
