BlogUncategorizedالوجه الآخر للسيرة الذاتية

الوجه الآخر للسيرة الذاتية

تبدو السيرة الذاتية في ظاهرها كأنها هندسة مختصرة للعمر حيث تصطف السنوات في نظام محايد وتتجاور المناصب والشهادات والخبرات وكأن الإنسان عبر حياته بخط مستقيم لا منعطفات فيه غير أن الحقيقة أكثر فوضى من الورق وأكثر امتلاء بما لا يُدوَّن لأن خلف كل سطر مساحة صامتة من التردد وخلف كل انتقال حكاية لم تجد لها حيزًا في السجل المهني ولهذا فإن ما نقرأه في السيرة ليس الحياة كلها بل الجزء الذي استطاع صاحبه أن يضعه تحت الضوء.

فالسيرة تخبرنا أين بدأ الإنسان وأين وصل لكنها لا تكشف لنا الطرق التي أرهقته ولا الأبواب التي استنزف عندها كثيرًا من الانتظار ثم أدرك لاحقًا أن انغلاقها كان نجاةً لم تتضح حكمتها إلا بعد حين. كما أنها لا تقول كم مرة عاد إلى نفسه مثقلًا بالأسئلة ثم خرج في اليوم التالي بملامح هادئة كأن داخله لم يشهد شيئًا ومن هنا تصبح الأوراق بارعة في تسجيل الحركة لكنها شحيحة حين يتعلق الأمر بما جرى في الأعماق.

ثم إن الإنسان لا تصنعه نجاحاته وحدها بل قد تعيد صياغته خيبة أكثر مما يفعل انتصار وقد يعلّمه سقوط صغير ما لم تعلّمه سنوات مستقرة وقد يوقظ خصمٌ في وعيه بصيرةً عجزت المودة عن إيقاظها. ولذلك فإن كثيرًا من ملامحنا الحقيقية نشأت في مناطق لا تُذكر في السير فلا خانة للخذلان الذي أنضجنا ولا سطر للقرار الذي أنقذ ما تبقى منا ولا مساحة للأيام التي اضطررنا فيها إلى إعادة ترتيب أرواحنا بعدما بعثرتنا الحياة.

ومع ذلك تبقى أعمق أجزاء السيرة خارج الورق لأن الأخلاق لا تملك مسمى وظيفيًا ولأن الوفاء لا يمنح شهادة ولأن حفظ السر بعد انتهاء العلاقة لا يدخل في بند المهارات كما أن التراجع عن مكسب يجرح كرامة الإنسان لا يظهر في خانة الإنجازات ومع أن هذه التفاصيل تبدو بلا ضجيج فإنها في الحقيقة أكثر الأشياء قدرة على كشف معدن الإنسان إذ تظهر في اختياراته وفي نبرة حضوره وفي الطريقة التي يعامل بها من لا ينتظر منهم منفعة.

ومن المفارقات أيضًا أن اللحظات التي تغيّرنا جذريًا غالبًا لا يراها أحد فقد تكون كلمة عابرة أعادت ترتيب يقيننا أو خسارة نزعت عن أعيننا غشاوة قديمة أو قرارًا متأخرًا أنقذ ما تبقى من الطريق ولهذا قد يكون أعظم ما أنجزناه في حياتنا شيئًا لا يمكن وضعه في سطر ولا تعليقه على جدار.

وربما لهذا نخطئ حين نقرأ البشر من عناوينهم فنظن أن المنصب يشرح صاحبه وأن الشهادة تختصر تجربته وأن الوصول وحده دليل النجاح بينما قد يصل أحدهم إلى القمة ويترك ذاته في أول الطريق وقد يتأخر آخر كثيرًا لكنه يصل وفي داخله شيء ما زال سليمًا.

ولهذا فإن الوجه الآخر للسيرة الذاتية هو الأصدق لأنه لا يُكتب بالحبر بل تكتبه المواقف ولا تحفظه الملفات بل تحفظه الذاكرة ولا تقيسه المناصب بل يقيسه الأثر فالإنسان في النهاية ليس مجموع ما أنجزه فقط وإنما مجموع ما قاومه وما تجاوزه وما تعلّمه وما بقي منه بعد كل ما مر به ولم تستطع سيرته الذاتية أن تقوله.

 

IMG 20260912 WA0047

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب