متى يصبح للمفردة حارسٌ كما للفيلم واللحن واللقطة؟
كلما شاهدنا فيلمًا أو استمعنا إلى لحن أو رأينا مشهدًا مصورًا وجدنا حوله أسوارًا من الأنظمة والقوانين التي تحرسه من العبث والنسخ والسرقة. فلا يستطيع أحد أن يقتطع منه ثانية واحدة دون إذن ولا أن يعيد نشره أو استثماره إلا وفق حقوق محفوظة يحميها القانون.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو لماذا لا تحظى الكلمة بالحماية ذاتها؟
لماذا تصبح المفردة وهي أصل كل فكرة الحلقة الأضعف في منظومة حماية الإبداع؟
فالسيناريو يبدأ بكلمة والأغنية تبدأ بكلمة والكتاب يبدأ بكلمة والخطاب يبدأ بكلمة وحتى أعظم المشاريع الإنسانية بدأت بفكرة صاغتها كلمات. ومع ذلك نجد أن النصوص تُنسخ والمقالات تُقتبس كاملة والخواطر تُسرق ثم تُنسب إلى غير أصحابها وكأن الفكر مشاع والإبداع بلا مالك.
ولعل أخطر أنواع السرقات ليست سرقة المال بل سرقة الجهد الفكري لأنها لا تنتزع شيئًا ماديًا فحسب بل تنتزع الاعتراف وتطمس هوية المبدع وتصادر سنوات من القراءة والتأمل والتجربة حتى تبدو الفكرة وكأنها وُلدت في عقل السارق لا في عقل صاحبها.
ولسنوات طويلة كان الكتاب الورقي يؤدي دور الحارس الطبيعي لحقوق صاحبه. فالنشر لم يكن يسيرًا والنسخ كان محدودًا وكانت المكتبات ودور النشر تمثل سجلًا تاريخيًا يحفظ نسب النصوص إلى أصحابها. أما اليوم فقد تغيّر المشهد تمامًا.
ففي العصر الرقمي أصبحت الكلمة تسافر في ثوان إلى ملايين الشاشات وتُنسخ بضغطة زر وتُعاد صياغتها أو يُقتطع منها ما يشاء الآخرون ثم تُنشر في حسابات أخرى دون إشارة إلى صاحبها. بل إن بعضهم يبني حضوره وشهرته على أفكار غيره حتى أصبح من السهل أن يضيع الأصل وسط كثرة النسخ.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي فهل بقي الكتاب اليوم كما كان في السابق الحارس الأول لحقوق صاحبه؟ أم أن العصر الرقمي تجاوز تلك المرحلة وأصبح من الضروري أن تتقدم الأنظمة والتقنيات لحماية النصوص كما تحمي الأفلام والألحان وسائر المصنفات الإبداعية؟
إن حماية النصوص لم تعد ترفًا ثقافيًا بل ضرورة حضارية. فالمجتمعات التي تريد صناعة المعرفة لا تكتفي بتشجيع الإبداع بل تحمي المبدعين أيضًا. لأن الكاتب الذي يشعر بأن ثمرة فكره معرضة للسرقة سيتردد في العطاء بينما يزدهر الإبداع حين يطمئن صاحبه إلى أن حقه محفوظ.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأنظمة وحدها بل تبدأ من المجتمع نفسه. فاحترام حقوق الكاتب قيمة أخلاقية قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. ونسبة النص إلى صاحبه ليست مجاملة وإنما أمانة علمية وأدبية تعكس احترام الجهد الإنساني وتقدير العقول التي تصنع المعرفة.
وبصدق إننا بحاجة اليوم إلى ثقافة جديدة ترى أن سرقة مقال لا تقل خطورة عن سرقة لحن وأن انتحال فكرة لا يقل سوءًا عن قرصنة فيلم وأن الكلمة مهما بدت بسيطة تحمل في داخلها سنوات من العمر لا يراها إلا صاحبها.
فالكلمة ليست حبرًا على ورق بل ثمرة عقل وسنين من التأمل والتجربة. ومن يسرقها لا يسطو على جملة فحسب بل يسرق جزءًا من عمر كاتبها ويصادر حقه في الاعتراف بإبداعه.
وحين ندرك أن الأمم لا تُقاس بما تبنيه المصانع وحدها بل بما تنتجه العقول أيضًا سندرك أن حماية النصوص ليست دفاعًا عن الكاتب وحده بل دفاعًا عن مستقبل الثقافة وعن قيمة المعرفة وعن حق الإنسان في أن يبقى أثره منسوبًا إليه.
وحين يصبح للمفردة حارس كما للفيلم واللحن واللقطة سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع يحترم الإبداع ويؤمن بأن الكلمة ليست أقل قيمة من أي منجز آخر بل هي البداية التي يولد منها كل منجز.
