مرحبًا أيّها العابر
مرحبًا أيّها العابر في طرقات الحياة السريعة، يا من تمشي بين الأيام كما تمشي الغيوم في سماءٍ لا تستقر، لا أنت مقيمٌ تمامًا، ولا أنت راحلٌ بالكامل، بل حالةٌ بين حالتين، وقصةٌ تُكتب في الهامش بينما يظنّ الجميع أنها في المتن. فمرحبًا بك وأنت تظنّ أنك تمرّ مرور الكرام، بينما تترك في كل مكانٍ شيئًا منك, نبرةَ صوتٍ عالقة في أذن صديق، ابتسامةً مختبئة في ذاكرة طفل، كلمةً قاسية لم تنسحب من قلب أحدهم بعد، أو موقفًا نبيلًا لا يزال يُحكى. أيها العابر لا أحد يعبر دون أثر، حتى الظلّ يترك انطباعه، وحتى الريح تغيّر شكل الرمال، فكيف بالإنسان وهو أثقل من الريح، وأعمق من الظل؟
فنُقنع أنفسنا أننا عابرون، ونقول مجرد مرحلة، مجرد وظيفة، مجرد علاقة، مجرد محطة، لكن الحياة لا تعرف كلمة مجرد، فكل لحظة تُسجَّل، وكل اختيارٍ يُراكم، وكل كلمةٍ تُعيد تشكيل شيءٍ ما فيك أو في غيرك. تمرّ على وجوهٍ لا تعرف أسماءها لكنها تحفظ ملامحك، وتدخل أماكن لن تعود إليها لكنها ستتذكرك بطريقةٍ ما، وتظنّ أنك طيف بينما أنت أثرٌ ممتد.
فأخطر أنواع العبور هو العبور بلا وعي, بأن تمشي فوق القلوب دون أن تشعر، وأن تُلقي كلماتك كما تُلقى الحصى، وأن تغادر دون اعتذار، وأن تُنهي دون تفسير، وكذلك أن تُطفئ دون أن تفكر في العتمة التي تتركها خلفك. وهي ليست المشكلة أنك تمر، بل كيف تمر, وهل تمرّ بلطف أم بثقل؟ وهل تترك وراءك ضوءًا أم تُخلّف فوضى؟ فالحياة ليست ممرًا عامًا بلا مسؤولية، بل سلسلة لقاءاتٍ دقيقة قد يكون أحدها نقطة تحوّل في حياة إنسان.
فثمّة عابرون مختلفون، يمرّون كنسمة لكنهم يغيّرون اتجاه الهواء، يلتقونك لوقتٍ قصير لكنهم يعيدون ترتيب أفكارك لسنوات. وقد يكون معلمًا قال جملةً واحدة فاستقرت فيك عقودًا، أو صديقًا عابرًا علّمك معنى الوفاء في موقفٍ واحد، أو غريبًا في طريق سفر فتح لك نافذة رؤية لم تكن تخطر ببالك. فبعض الناس لا يطيلون البقاء لكنهم يوسّعون الأفق، فلا يملكون زمنًا طويلًا في حياتك لكنهم يملكون أثرًا عميقًا فيها، فهؤلاء لا يُقاس حضورهم بالمدة بل بالبصمة.
فنحن جميعًا عابرون في نهاية المطاف، وهذه حقيقة لا جدال فيها، لكن الفرق ليس في أن نعبر بل في ماذا نترك بعد العبور، فهل نترك ذكرى طيبة، دعوة صادقة، عملًا نافعًا، كلمةً ترفع معنويات أحدهم في ليلةٍ صعبة؟ أم نترك ندوبًا، وسوء فهمٍ بلا توضيح، وقلبًا مثقلًا بتساؤلاتٍ لم نجد شجاعة الإجابة عنها؟ فالخلود لا يكون بطول البقاء بل بصدق الأثر.
أيها العابر، تمهّل قليلًا، لا تكن نسخةً سريعة من نفسك، لا تجعل السرعة تُفقدك إنسانيتك، ولا الانشغال يُبرّر قسوتك، ولا التعب يُشرعن جفافك. فالعالم مزدحمٌ بعابرين لا يلتفتون، فكن أنت العابر الذي ينتبه، فانتبه لملامح أمّك وهي تنتظر كلمة، ولصديقٍ يختبئ خلف المزاح، ولزميلٍ يبتسم وفي داخله ضجيج، وانتبه لنفسك قبل الجميع، فالذي لا ينتبه لنفسه يعبرها أيضًا دون أن يعرفها.
فمرحبًا أيها العابر، أنت لست رقمًا في طابور الزمن ولا اسمًا عابرًا في سجل الأيام، أنت قصةٌ قصيرة في حياة البعض وقد تكون فصلًا كاملًا في حياة آخرين، فاختر أن تكون فصلًا جميلًا، واختر أن يكون مرورك لطيفًا لا صدمةً عابرة، واختر أن تترك خلفك أثرًا يشبهك، إذا ذُكرت ابتُسم. لأننا في النهاية سنغادر جميعًا، لكن لن يغادر كل شيء معنا، حيث سيبقى ما فعلناه، وما قلناه، وما زرعناه في القلوب، فمرحبًا بك أيها العابر… لكن لا تعبر بلا أثر.