هل الذكاء الاصطناعي هو المحطة الأخيرة؟
على خطّ الزمن
كل قفزةٍ بشرية كانت تقول انتهى الدهش.
لكن خلف كل دهشة
بدأت دهشةٌ أكبر.
نارُ البداية
ثم عجلةُ الحركة
ثم طباعةُ الوعي
ثم كهرباءُ الليل
ثم حواسيبُ الذاكرة
ثم فضاءاتٌ جعلتنا نرى الأرض كزرقةٍ معلّقة في الفراغ.
ومثلهم جميعًا
جاء الذكاء الاصطناعي.
لكنّه لم يأتِ كأداة،
بل كـ عقلٍ يقف أمام عقلنا.
واليوم
نقف أمام مرآةٍ جديدة.
مرآةٌ لا تعكس وجوهنا
بل حدودنا.
خوارزميات تُكمل الجملة التي تتهجّج في أفواهنا.
نُظم تفهم رغباتنا قبل أن نطلبها.
نماذج تحلل نبرة الصوت
وتقرأ ما لم نقله.
وهنا يبدأ السؤال المبلّت
هل بلغنا النهاية؟
وقبل أن نجيب
علينا تذكّر شيء بسيط وخطير بأن
الخيال لا ينفد.
فالخيال الذي صنع النار،
وصاغ المدن،
وبنى الجسور،
هو نفسه الذي سيصنع مستقبلًا
تختلط فيه الحقيقة بالافتراض،
والصوت بالضوء،
والإنسان بالآلة.
ولَكَ أنْ تَتخيّل
مدينة تفهم مزاجك.
غرفة تغيّر إضاءتها بناءً على نبضك.
جهاز يتنبأ بحزنك
قبل أن تعرف أنك حزين.
فهل هذه نهاية؟
أم بداية لألف نهاية؟
فالعقل البشري نفسه
ما زال مجهولًا،
فهو لغزًا نسير به ولا نفهمه.
نستخدم منه القليل
ونجهل من داخله الكثير.
إنه يملك
حدسًا لا يُرمّز،
وإلهامًا لا يُبرمج،
وخوفًا لا يُقاس،
وشعرًا لا يفهمه إلا القلب.
وهذه مناطق لم تبلغها الآلة، ولن تبلغها بسهولة
فكيف نزعم أن الرحلة انتهت؟
ونحن لم نصل بعد إلى حدود عقولنا؟
فالتاريخ يبوح بحكمة واضحة
كل تقنية عظيمة بدت “النهاية”
فإذا بها البداية الحقيقية.
فظهرت الطباعة… فلم تمت الذاكرة.
وظهر الراديو… فلم تختف الكتب.
وظهر التلفاز… فلم تنطفئ السينما.
وظهر الإنترنت… ولم تمت الصحافة.
فكل شيء عاد إلى الحياة
بشكلٍ آخر.
بصيغةٍ أعمق.
بوجهٍ جديد.
والذكاء الاصطناعي اليوم
يفعل الشيء ذاته
لا يلغي الإنسان،
بل يعيد ترتيبه،
كما أعادت الكهرباء المدن،
وكما أعاد الهاتف المحمول العلاقات،
وكما أعادت محطات الفضاء معنى الأرض.
فنحن لا نعيش فصل الختام…
بل مقدمة الكتاب.
في زمنٌ جديد يتشكل
عقول هجينة
نصفها بشر،
ونصفها خوارزميات.
وتعلمٌ لا نهائي…
يتصل فيه الإنسان بالآلة
كما يتصل القلب بالدم.
ووعيٌ رقمي
يمتد خارج الجسد،
ويتجاوز اللغة،
ويحطم حدود الهوية.
وقدراتٌ تمنح الإنسان عمرًا أطول،
وحضورًا أبعد،
وزمنًا لا يشيخ كما يشيخ الجسد.
فهل الذكاء الاصطناعي هو المحطة الأخيرة؟
الجواب المبلّت الواضح
لا.
إنه ليس المحطة
بل أوّل الطريق.
إنه الباب…
والسؤال…
والشرارة…
والملامح الأولى لعصر لم يُولد بعد.
فالذكاء الاصطناعي ليس النهاية…
بل بداية الأسئلة التي تسبق النهاية.
وما خلف هذه البداية
لا يملكه إلا الخيال.
والخيال…
لا يقف عند محطةٍ واحدة.
ولا يعرف كلمة أخيرًا.
