BlogUncategorizedمقبرة المسودات

مقبرة المسودات

ليست كل الكتابات خُلقت لتصل إلى قارئ فثمة نصوص تبدأ حياتها وفي داخلها نبوءة الاختفاء وكأنها تعرف منذ الحرف الأول أن مصيرها سيكون درجًا إلكترونيًا باردًا يحمل اسم “المسودات” فهناك تقيم الجمل التي خذلها أصحابها والرسائل التي وصلت إلى حافة الإرسال ثم تراجعت والأفكار التي ارتدت أجمل عباراتها وانتظرت طويلًا لكنها لم تُدعَ إلى النشر.

ولأن مقبرة المسودات ليست مكانًا للنصوص الرديئة كما قد نظن فإنها ربما كانت أكثر الأماكن ازدحامًا بالكلام الصادق إذ إننا في المسودة نكتب قبل أن يستيقظ حارس العبارة ونقول ما نشعر به قبل أن تبدأ هندسة الصورة كما نترك للقلب حريةً لا يمنحها له زر “نشر”.

وفي تلك المقبرة نصوص ماتت من فرط التهذيب لأنها ظلت تُشذّب حتى اقتُلعت روحها بينما أهلك التردد نصوصًا أخرى فكلما همّ الكاتب بإطلاقها أمسك بطرفها وأعادها إلى زنزانة الشاشة كما بقيت نصوص ثالثة لم ينقصها الجمال ولكن خانها التوقيت فوصلت متأخرة إلى مناسبة انتهت أو مبكرة إلى شعور لم ينضج بعد.

والغريب أن بعض المسودات لا تشيخ لأنها تبقى في الهاتف سنوات ثم تفتحها مصادفة فتجد أن الكلمات ما زالت دافئة وأن الجملة التي خفت منها ذات مساء لم تفقد جرأتها وإنما أنت وحدك الذي تغيّرت.

وقد تكون المسودة رسالةً لشخص لم يعد موجودًا أو اعتذارًا أخّره الاعتداد بالنفس أو عتابًا أدرك صاحبه أن الصمت أكثر أناقةً منه كما قد تكون اعترافًا كان يحتاج شجاعةً أكبر من عمر اللحظة.

ولهذا تبدو المسودات أحيانًا كسيرةٍ ذاتية سرية لا يقرؤها أحد لأننا في المنشور نكتب ما نريد للناس أن يعرفوه بينما نكتب في المسودة ما حاولنا نحن أن نفهمه عن أنفسنا.

وكم من كاتب اشتهر بنصوصه المنشورة بينما كانت أجمل كتاباته نائمةً في العتمة لا تعرف التصفيق ولا عدد المشاهدات ولا مجاملات القراء لأنها كُتبت في المنطقة التي تسبق الجمهور حيث لا يوجد سوى إنسان وحيد أمام نفسه.

وربما لهذا نخشى حذف المسودات لأننا لا نحذف كلمات فقط بل نمحو نسخًا قديمةً منا ومشاعر عبرت بنا وأبوابًا كدنا نطرقها ثم عدلنا عنها.

ومع ذلك لا ينبغي أن نحزن على كل نص لم يُنشر لأن بعض الكتابة لا تأتي لتصبح مقالًا ولا منشورًا ولا كتابًا بل تأتي لتؤدي وظيفةً أكثر خفاءً وهي أن تُخرج شيئًا كان يزدحم في داخلك ثم تنصرف.

فتبقى المسودة هناك في ركنٍ لا يزوره أحد ولا يحملها تاريخ وفاة شاهدةً على حقيقة صغيرة تقول إن بعض أجمل ما كتبناه لم يكن يحتاج قارئًا بقدر ما كان يحتاج أن نكتبه.

 

IMG 20261003 WA0072

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب