لذة الظل
في لحظة ما، قد يتمنى الإنسان أن ينزوي من كل تلك الأضواء التي كانت يومًا ما حلمًا، ثم صارت عبئًا يتنفسه دون رغبة. فالظهور المتكرر، والأسئلة المتوقعة، والتزامات الحضور، والصورة التي لا بد أن تبقى مشرقة مهما كانت الظروف… كلها تفاصيل تستهلك من الداخل أكثر مما تمنح في الخارج.
فالمعروفون لا يعيشون لأنفسهم تمامًا. لأن كل خطوة محسوبة، وكل غياب ملفت، وكل كلمة تؤخذ على محمل التأويل. وهنا، تتسلل الرغبة الخفية في البعد عن كل شيء. ليس ككسر لما هو معتاد، ولا كهروب يحدث حولهم، بل كعودة إلى الذات، وإلى شكل الحياة الذي لا يحتاج تصفيقًا، ولا يخاف من النسيان.
فكم من شخص عاش تحت الضوء طويلًا، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، ليس لأن وهجه انطفأ، بل لأنه أراد أن يرى نفسه من دون جمهور. وأن يسمع صوته لا صدى صوته. وأن يخطئ دون أن يُحاكم، وأن يصمت دون أن يُسأل، وأن يمر كأي عابر لا يُراقَب ولا يُتوقّع منه شيء.
وهنا تكمن الراحة الحقيقية… في ألا تكون تحت نظر الكل. وأن تتحرر من دورك، ولو مؤقتًا. فقط أن تعيش بلا تعريف دائم، وبلا مقدمة تسبق اسمك، وبلا سؤال يُلقى عليك لأنك أنت. فالصيت له كلفة، ومع الوقت، تصبح الرغبة الأكبر في أن تعود إلى الحافة، وتنجو بنفسك قبل أن تذوب في فكرة الآخرين عنك.
ولأن ليس كل انسحاب خسارة. فأحيانًا هو فوز مؤجل. لأنك حين تنسحب لتعود إلى نفسك تصبح أصدق، وأهدأ، وأكثر قدرة على أن تميز بين من يعرفك لأنك ظاهر، ومن يعرفك لأنك حاضر حقًا.
والمفارقة، أن من ذاق الضوء كاملًا، هو وحده من يعرف لذة الظل… الظل الذي لا يُلاحق، ولا يُؤرشف، ولا يُفسر. فقط حيث يسمح لك أن تكون إنسانًا، بعيدًا عن ضجيج اسمك.