BlogUncategorizedكفنُ الحروف

كفنُ الحروف

ليست الحروفُ دائمًا أوعيةَ المعنى ولا الكلماتُ بالضرورةِ موائلَ الحياة فثمّةَ نصوصٌ تُشيَّع إلى السطور كما تُشيَّعُ الأجساد، مُكفَّنةً ببياضٍ خادع، تُرى ولا تُحسّ، تُقرأ ولا تُلامس. فهناك حيث يتوارى المعنى خلف هندسةِ العبارة، ويغيب النبض تحت رصانةِ التركيب، يبدأ عزاءُ اللغة وتُرفعُ فاتحةُ الغياب على جسدِ الحرف.

فكفنُ الحروف ليس ثوبًا يُلبس، بل فراغٌ يُقيم بين الكلمات، صمتٌ مُتقن يتسلّل إلى أعماق النص، فيُطفئ فيه سرَّ الاشتعال، ويُحيل وهجه إلى برودةٍ مُهذّبة. فهي نصوصٌ مُحكَمة الصياغة، لكنها فاقدةُ الدهشة، مُزدانةُ الألفاظ، لكنها عاريةُ الروح، تقف على قدمي البلاغة، لكنها لا تسير في دروب التأثير.

وفي هذا العصر، لم تعد الكتابةُ تُنضج على مهل، بل تُستعجل كأنها تُنتزع من رحم الفكرة قبل اكتمالها، حيث تُنشر قبل أن تُختبر، وتُقال قبل أن تُعاش. فغدت الحروفُ تُستهلك كما تُستهلك الأشياء العابرة، فتُعادُ صياغتها حتى تفقد فرادتها، ويُكرَّر معناها حتى يذبل حضوره، فلا تُدهش قارئًا، ولا تُوقظ سؤالًا، ولا تُحدث رجفةً في وجدان.

فكفنُ الحروف هو أن يُكتب النص ليُرى، لا ليُحسّ، وبأن يُتقن شكله ويُفرَّغ من مضمونه، وأن يُقال ما يُرضي السامعين، لا ما يُوقظ الأرواح الخاملة. فهو ذلك التواطؤ الصامت بين الكاتب وسهولة الطريق، حين يختار السلامة على الصدق، والقبول على الجرأة، فيموت الحرف واقفًا دون أن يسقط.

وما أشدّ فداحة أن يُزيَّن الكفنُ ببلاغةٍ عالية، فتخدعك الفصاحة عن الفراغ، وتُغريك الموسيقى عن المعنى، فتظنّك أمام نصٍّ حيّ، وما هو إلا جثمانٌ مُتقنُ التهيئة. فهنا، لا يموت الحرف دفعةً واحدة، بل يذوب ببطء، كشمعةٍ تُنير ولا تُدفئ، تُضيء السطح وتترك الأعماق في عتمتها.

إن الحرف الذي يعيش هو الذي دُفع ثمنه من روح صاحبه، كُتب بصدقٍ يُوجع، وبفكرةٍ نُقِّبت حتى استُخرجت، وبتجربةٍ صُقلت حتى أضاءت. وهو الحرف الذي لا يُشبه غيره، لأنه خرج من منطقةٍ لا تُستعار، ولا تُكرَّر، ولا تُزوَّر. أما ما سواه فمجرد صدى، مهما ارتفع صوته.

فكفنُ الحروف هو أن تتحوّل الكتابة إلى أداءٍ بلا موقف، وإلى حضورٍ بلا أثر، وإلى كلماتٍ تُجيد الوقوف لكنها لا تعرف كيف تمشي إلى القلوب. وهو أن تمتلئ السطور وتفرغ النفوس.

وما بين حرفٍ حيٍّ وحرفٍ مكفَّن، ليس الفارقُ عددًا ولا طولًا بل صدقًا وحرارة. قد تُخلّد جملةٌ لأنها قيلت بصدق، وقد تُنسى مجلّدات لأنها كُتبت ببرود. فالحياةُ لا تُمنح للحروف مجانًا بل تُنتزع انتزاعًا من قلبٍ يعرف كيف يحترق ليُضيء.

٢٠٢٦٠٤٠٥ ١٦٢٢٢٧

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب