كبريت الصحافة السعودية
في الإعلام، كثيرون يمرّون، وقليلون يبقون، ونادرون يغيّرون شكل الخطاب نفسه. وداود الشريان ينتمي إلى الفئة الأخيرة… رجل لم يكن مجرد مذيع أو كاتب رأي، بل حالة فكرية وإعلامية متكاملة. فلم يأتِ داود الشريان ليُشغل موقعًا، بل ليصنع فرقًا، ويترك في كل ظهور بصمة لا تُشبه إلا حضوره.
فما فعله عبر مسيرته لا يختصره لقب “إعلامي”. لأن داود الشريان لم يكن مجرد اسم في المشهد، بل كان المِقياس، وكان السؤال حين خفتت الأسئلة. فهو موسوعة تتكلف الحضور، لكنها حين تُفتح، تُصيب الهدف دون ضجيج.
ففي برامجه، لم يكن يهاجم، بل يحاور بصلابة لا تميل. وفي مقالاته، لم يكن يشرح، بل يضيء الزوايا التي تعمّدت بقية الأقلام أن تتركها مظلمة. فتجرأ بوعي، لكنه لم يبحث عن الجرأة في ذاتها، بل في ضرورة قول ما يجب أن يُقال، حين لا يقوله أحد.
وما يُميّزه، أنه لا يصطنع الحياد. لأنه ببساطة لا يخشى أن يكون له رأي. فلا يختبئ خلف التوازن، ولا يساوي بين ما لا يُساوى. فقد منح كل فكرة وزنها، وكل طرف حجّته، لكنه في النهاية لم يكن مراسلًا للواقع، بل صانع وعي في زمن تسطيح.
وحتى حين جلس خلف المايكروفون، لم يكن صوتًا فقط. فقد كان ضميرًا ناطقًا، يُمثّل فئة كانت تحتاج من يقول ما تفكر فيه… فقد كان ومازال طريقًا مفتوحًا لفهم الواقع دون أن يُفرَض على المستمع رأي مسبق. فهو ببساطة، يقودك لتفكر، لا لتوافق.
ومن هنا، لم يكن الشريان مجرد إعلامي عابر، بل شخصية شكّلت وعيًا وأثرت في الساحة بما يكفي لأن يُكتب عنه كثيرًا. لكنه في الحقيقة لا يحتاج إلى من يكتب عنه، لأن ما قاله، وما كتبه، كافٍ ليظل اسمه محفورًا ليس فقط في أرشيف الصحافة، بل في ذاكرة الوعي العام.
وفي زمن تعددت فيه المنابر وقلّت المواقف، يبقى الشريان واحدًا من القلائل الذين لم يرفعوا صوتهم ليُسمَعوا، بل لأنهم يملكون ما يستحق أن يُقال.