في اليوم العالمي للغة العربية.. هكذا ربّتني الحروف
أنا خريج مدرسة لا جدران لها، ولا سبّورة معلّقة على ذاكرة الغياب، مدرسةٍ صنعتني من الحرف قبل أن تصنعني من الأيام. واليوم في عُرسها، اليوم العالمي للغة العربية، حضرت هذه المدرسة في وجداني أكثر من أي وقتٍ مضى، فتذكّرتُها لا بوصفها لغة أحتفي بها، بل بوصفها أصلًا أنتمي إليه.فمِنها، تعلّمت أن الكلمة ليست أداة قول فحسب، بل قدرٌ يُختبر، وأن الحرف إذا خرج صادقًا صار وطنًا، وإذا كُتب بوعي أصبح سلاحًا، وأن الصدق لا يُدرّس في المناهج، بل يُكتب حين تضيق المسافة بين القلب والورق.
فهي مدرسة الحروف العربية الثمانية والعشرون ، لا تعترف بالتلقين، ولا تمنح شهاداتها بسهولة. أساتذتها التجارب، ومناهجها الألم والفرح، وامتحاناتها المواقف. لا يتفوّق فيها من يحسن الزخرفة، بل من كتب بقلبه قبل قلمه، ومن احتمل ثقل المعنى دون أن يفرّ من صدقه. ففي هذه المدرسة، لا تُقاس الأعمار بالسنوات، بل بعدد المرّات التي أنقذتك فيها الكلمة من السقوط.
وقد تعلّمت فيها أن الحرف موقف، لا زينة لغوية ولا قناعًا مؤقتًا، وأن من لا يحتمل صدق الجملة لا يصمد طويلًا في دهاليزها. فالحروف التي لا تُكلّف صاحبها وجعًا، لا تمنحه خلودًا، وكل نص حقيقي هو معركة صغيرة ينتصر فيها المعنى على الخوف. فهنا تُكتب الهزيمة بحبرٍ شريف، ويُحتفل بالصدق ولو كان موجعًا، لأن الغاية ليست الإعجاب، بل النجاة.
فهي مدرسةٌ لا عصا فيها سوى القناعة، ولا طباشير فيها سوى الحكمة، ولا فصول فيها إلا صدور القارئين، فلا درجات تُمنح إلا بقدر ما تحتمل الروح من صدق، ولا نجاح يُسجَّل إلا حين تتصالح الكلمة مع صاحبها. ففيها تعلّمت أن الصمت أحيانًا فاصلة لا نهاية، وأن ترتيب الروح شرطٌ سابق لترتيب الجُمل.
فأنا خريجُ مدرسة تبدأ من الألف ولا تنتهي عند الياء، فهي مدرسة عرّفتني على نفسي قبل أن تعرّفني على اللغة، وعلّمتني أن أكتب في العتمة دون أن أنكسر، وأن أقول الحقيقة ولو كانت وحيدة. ومن أتقن لغة الروح، لم تعد اللغة تخونه أبدًا.
فهذه مدرستي الحروف العربية الثمانية والعشرون، حيث تختصر شهادة العمر كاملة. وفي نهايتها أدركت الحقيقة الكبرى أن خريج هذه المدرسة لا يقف عند شهادة، بل يبلغ قدرة نادرة على كتابة النفس من جديد. فهي مدرسة لا تُخرّج كُتّابًا فقط، بل تُخرّج من يعرف كيف ينتصر بالحرف… حتى لو خذلته الدنيا كلّها.
