BlogUncategorizedفلسفة الحياة

فلسفة الحياة


كلما كبرت، يكبر معك عقلك، أو هكذا يفترض. ليس لأنك عشت سنوات أكثر، ولكن لأنك مررت بما يكفي من المواقف التي كسرتك ثم رممتك، ومن الخيبات التي علمتك أن الناس لا يكونون دائمًا كما تتمنى، ومن الطرق التي مشيتها بحماس ثم اكتشفت في منتصفها أنها لا تؤدي إلى شيء. كل هذا لا يمر دون أثر. فهناك شيء داخلك يتغير، ويكفّ عن التفاعل الطفولي، ليتباطأ في ردات الفعل، ويراقب بصمت أكثر مما يتحدث، ثم يحسب كلفة كل شيء… حتى الكلمات.

فستتعلم مع الوقت أن الحياة ليست ساحة إثبات دائمة، وأن الانتصار في كل نقاش لا يعني شيئًا إذا كان الثمن هو أعصابك. فتبدأ تفهم أن بعض المعارك لا تستحق حتى لحظة انفعال، وأن أكبر هزيمة أحيانًا هي أنك تسمح لأحدهم أن يأخذ من طاقتك شيئًا لا يمكن تعويضه. ولهذا، فإن تكبير العقل وتوسيع باب الخروج من حياتك فلسفة حياة، وليس مجرد مثل يُقال في المجالس. لتصبح قناعتك أن لا شيء يستحق أن تحشر نفسك في زواياه الضيقة، ولا أحد يستحق أن تصغّر عقلك كي تتسع له مساحة.

فأنت تكبر، فيكبر عقلك، وتتسع مساحة التقبل داخلك. وهذا ليس لأنك صرت أضعف، بل لأنك أدركت أن الراحة أولى من الانتصار، وأن سلامك النفسي لا يُساوم. وحين ذلك، تتوقف عن تفسير كل شيء، وعن الرد على كل تعليق، وعن حمل نية سيئة لكل تصرف غامض. فتتقن فن التجاهل الواعي… وهنا لا أقصد اللامبالاة الفارغة، بل أقصد الوعي العميق بأن بعض الأمور لا يجب أن تأخذ أكبر من حجمها، ولا يجب أن تعيش في رأسك أكثر مما تستحق.

ومع هذه المساحة الجديدة، التي لا تضيق فيها على نفسك، تأتي الراحة. ليس لأن العالم تغيّر، بل لأنك غيّرت طريقة استقبالك له، وصرت تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، وتعرف متى تعاتب ومتى تترك، ومتى تقاتل ومتى تكتفي بابتسامة ثم تغادر. وأصبحت تعرف أن بعض الأبواب لا تُغلق في وجه أحد، لكنها تتسع فقط لمن يستحق العبور، وأنك حين توسع الباب، تفعل ذلك لأجلك أولًا، حتى لا تعلق في الزحمة، ولا تختنق وسط التفاصيل التي لا تنفع ولا تضر.

وفي النهاية، تدرك أن الراحة لا تأتي من العالم، بل من طريقة وقوفك فيه. فكلما وسعت الباب، كلما كبر عقلك، وخفّت روحك… وكلما خفّت روحك، عشت ما بقي من عمرك أسعد.

IMG 20250810 WA0136

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب