غابت الرموز، وحضر “الترند”
قد تفتح حديثًا عابرًا عن رمزٍ ثقافي أو إنجازٍ علمي أو سيرة مهنية كانت في وقتٍ ما ملهمة لأجيال، فتتفاجأ بأن من أمامك لا يعرف عمّن تتكلم. ليس لأنه غير مهتم، بل لأنه لم يقرأ. ببساطة… لم يقرأ.
وربما هذا هو الفارق الجوهري بين أجيالٍ كانت تحفظ الأسماء كما تحفظ السور، وتحتفي بكل من خطّ سطرًا نافعًا، أو وقف موقفًا مؤثرًا، أو صنع مجدًا في صمت… وبين جيلٍ أصبح في وقته الوصول إلى المعلومة أسهل، لكنه وصول لا يلامس الروح.
فالحديث ليس عن تقليل من أحد، ولا عن حسرة على زمنٍ مضى. بل عن قطيعة غير معلنة بين كثير من أبناء اليوم، وبين من صنعوا الأمس الذي يقفون عليه… قطيعة جعلت بعض القامات تُطوى قبل أن تُفهم، وتُنسى قبل أن تُقرأ.
والمشكلة ليست فقط في أن الجيل الجديد لا يعرف، بل في أنه لا يبحث. وذلك لأن البحث يتطلب فضولًا، والفضول لا ينشأ في ظل ثقافة الاستهلاك السريع، حيث كل شيء يُقدَّم مختصرًا، ومبسطًا، أو مقطّعًا في فيديو لا يتجاوز الدقيقة.
وفي زمن لم يعد للصفحات رائحة، ولا للكتب طقوس، صار كثير من المعاني ضائعًا. فلم تعد السير تُروى، ولا التضحيات تُتداول، ولا الحوارات تُسمع. بل فقط أسماء تمرّ كعناوين بلا سياق، أو يُرمى بها في اختبار عابر لا يحمل وزنها الحقيقي.
وليس الغياب هنا في التوثيق، بل في الاهتمام. فالمنصات مليئة، والمصادر متاحة، والأبواب مفتوحة. لكن من يريد أن يدخل؟ ومن يرى في المعرفة ميراثًا لا بد أن يُحمل؟
ولذلك، فلا يُلام هذا الجيل وحده، بل كل ما حوله مما ساهم في تهميش القيمة، ورفع شعار “المهم الآن”، وألغى امتداد السرد، واحتفل باللحظة ونسي من صنعوا اللحظات.
فالذاكرة الثقافية لا تموت فجأة. بل تُصاب أولًا بالخدر، ثم تتلاشى بهدوء. وحين نصل إلى مرحلة لا نميّز فيها بين الاسم الذي صنع المعنى، وبين من كرّره فقط… نكون قد فقدنا الرابط الذي يُبقي المعنى حيًّا.
والمشكلة ليست في أنهم لا يعرفون الأسماء، بل في أنهم لا يدركون ما تعنيه تلك الأسماء. لأنها لم تعد في الذاكرة الجمعية محل بحث أو دهشة. بل صارت أقرب إلى رموز قديمة في كتاب مغلق.
فالجيل الحالي شبّ على الشاشة، ونشأ سريعًا، واعتاد الوصول الفوري، والوجبة المعرفية السريعة التي لا تُشبِع ولا تُعمّق. فغاب العمق، وحضرت السرعة. وغابت الرموز، وحضر “الترند”.
لكن المسألة ليست مسألة جهل… بل تغيّر في العلاقة مع المعرفة. فلم تعد القراءة ملاذًا، بل خيارًا مؤجلًا. ولم يعد الماضي يُستدعى لنتعلّم منه، بل يُترك هناك… كأن لا شأن له بالحاضر.
ولهذا أقول، من لا يقرأ… لا يعرف من سبق، ومن لا يعرف من سبق… لن يعرف إلى أين يسير.