طباخ السم
ثمّة من يمضي في الحياة وكأنّ الخير جزءٌ من طباعه. فتجده لا يُكثر من الحسابات، ولا يزن كلماته بميزان الربح والخسارة… لكنه يسير بين الناس بقلب خفيف، ولا يسأل من يستحق ومن لا يستحق، لأنه ببساطة يزرع الخير، ليس انتظاراً لردّ الجميل، بل لأنها سجيته التي لا ينتظر لها مقابل. وعلى الجانب الآخر، ثمّة من يمضي في زرع المكائد، ويهيّئ العثرات لغيره، ويراقب من بعيد مبتسماً، كأنّ الشرّ لعبة ذكية لا تعود على صاحبها بشيء.
ولأن الحياة ليست ساذجة، فهي لا تُعطي وتمنع جزافًا، كما أنّها لا تُهمل شيئًا، حتى وإن أوهمتك بأنها لا تُبالي. بل على العكس، فهي تخزّن، وتدوّن، ثم تُعيد توزيع ما زرعه كلّ امرئ، في الوقت الذي تراه هي مناسبًا. ولهذا، فلا ينجو أحد من تذوّق ما أعدّ بيديه، سواء أكان عسلاً أم سُمّاً.
فمن دسّ كلمة طيّبة في لحظة انكسار، سيصله صداها ذات يوم من فمٍ آخر، وربما حين يكون في أمسّ الحاجة لها. ومن غلّف شرّه في ابتسامة، سيصحو ذات صباح ليجد الابتسامة ذاتها تنكمش في وجهه، من شخص لم يكن يتوقّعه.
وهذا ليس لأن الناس عادلة دائماً اوان الكون يزن الأمور بمسطرة ظاهرية، بل لأن كل ما نفعله يظلّ قابعًا في الزاوية، في انتظار لحظة العودة.
فلا وجع يصلك من غريب، بل هو ناتج عن خطاك أنت. كأنك أعددت طبخة بيديك وأضفت إليها كل شيء… حتى السمّ، وظننت أنك ستفلت من تذوّقها. لكنك لا بدّ أن تتذوّقها.
وهنا ليست المسألة “كارما”، ولا عقاباً من السماء، لكن هي ببساطة أن كل إنسان يأكل من طبقه. فما قدّمه بيديه، سيعود إليه بنفس النكهة، وبدرجة الحرارة ذاتها، وبالنيّة التي غلّفها بها.
فكن خفيفاً… ازرع، ثم امضِ. ودع نيتك تسبقك، وأفعالك تبقى نقيّة، ولو لم يلاحظها أحد. لأنك في النهاية، لن تذوق إلا مما طبخته.