BlogUncategorizedصوت على ورق

صوت على ورق

بعض الكلمات كان من الممكن أن تغيّر كل شيء، لكنها لم تُقال. ليس لأنها بلا قيمة، بل لأن النضج أحيانًا يعني أن تحتفظ بالصوت داخلك، وتكتفي بأن تُخرجه على الورق.

ففي لحظات معينة، نكتب الرسالة بكل وضوح. ونضع فيها كل ما لم نعرف كيف نقوله وجهًا لوجه. ونُفرغ ما كان يثقل قلوبنا لنُرتّب فيه خيبات صغيرة وألآمًا قديمة ولحظات خذلان لم نُعطي لها وقتًا للبوح به فنكتب ونصوغ، ونتألم بين السطور، ثم نتوقف ولا نرسلها… فقط نتركها معلّقة ونمحوها، لنمحي معها طاقة عتاب لآخر أشكال المحبة.

فالرسائل التي لم تُرسل، لم تكن خسارة. بل كانت نقطة التحوّل. لأن لحظة التراجع عنها، كانت لحظة إدراك… إدراك أن ما في الداخل أوضح من أن يُشرَح، وأثمن من أن يُقدَّم لمن لم يرَ قيمته حين كان حاضرًا. فأدركنا أننا نكتب لنُفهم أنفسنا، لا لنُقنع أحدًا.

فكثيرًا ما حملت تلك الرسائل حقيقتنا الطيبة التي لم تُقابل، والمحبة التي لم تُحتَرم، والمواقف التي أُخذت كعادة، والتنازلات التي صارت متوقّعة. وكل مرة لم نُرسل فيها ما كتبناه، اخترنا فيها كرامتنا بهدوء. وفضلنا الصمت المُحترم على الإفراط في الشرح. وتركنا المساحة التي كانت تحاول أن تستهلكنا. وبدل أن نعطي أكثر، قررنا أن نتوقّف… لا عن العطاء، بل عن الاستنزاف.

فما كُتب ولم يُرسل، لم يضِع. بل عاد إلينا بثقل أوضح، وبعين ترى التفاصيل كما هي لا كما نريدها. فالكلمات التي أردنا أن نقولها ذات يوم، كانت صحيحة… لكن الوقت لم يعد لها. والمكان لم يعد يليق بها. والناس الذين كتبناها لأجلهم، لم يعودوا يستحقون هذا القدر من الشفافية.

ولهذا، ما لم يُرسل… أنقذنا. ليس لأننا كنا ضعفاء عن قوله، بل لأننا كنا أقوياء بما يكفي لنفهم أن الكلمة في غير موضعها… تهدرنا.

IMG 20250815 WA0092

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب