سطوة النجوم الخمس
لم تعد النجوم الخمس معلقة على أبواب الفنادق ولا حبيسة شاشات التطبيقات بل تجاوزت وظيفتها الأولى وتسللت بهدوء إلى تفاصيل حياتنا حتى غدا العالم أشبه بفضاء واسع للقياس يدخل إليه كل شيء محمولًا على سؤال واحد كم يستحق؟
فنقيّم المطعم والسائق والفندق والمتجر والخدمة ثم نذهب إلى تجاربنا وقد سبقتنا إليها أحكام الآخرين فنرى المكان من خلال انطباعاتهم قبل أن تراه أعيننا ونستقبل التجربة بتوقعات صنعتها أرقام لم نضعها نحن. وهنا لا يعود التقييم مجرد وسيلة للاختيار بل يصبح قوة خفية تشارك في صناعة الذائقة وتحدد أحيانًا ما ينبغي أن يعجبنا وما ينبغي أن نتجاوزه.
فالنجوم في ظاهرها أرقام صغيرة لكنها تحمل سلطة أكبر من حجمها. فخمس نجوم قد تفتح الأبواب وثلاث قد تزرع الشك ونجمة واحدة قد تكون كافية لإقصاء تجربة كاملة من حساباتنا. وهكذا يتحول الرقم من شاهد على التجربة إلى شريك في تشكيلها ومن نتيجة تأتي في النهاية إلى حكم يسبق البداية.
والمفارقة أن الإنسان ابتكر التقييم ليحكم على الأشياء ثم وجد نفسه شيئًا فشيئًا واقفًا أمام ميزانه. فالسائق ينتظر النجوم وصانع المحتوى يترقب التفاعل والموظف تحاصره المؤشرات والمؤسسات تتنافس على التصنيفات حتى أصبح الرقم حاضرًا في مساحات كانت يومًا تُعرف بالخبرة والسمعة والأثر.
ومن هنا يتسلل وهم بالغ الخطورة وهو أن كل ما يمكن قياسه يمكن فهمه وأن الحقيقة إذا لم تتحول إلى رقم ظلت ناقصة.
غير أن الحياة أوسع من أن تحتويها المقاييس.
فلا مقياس للوفاء ولا مؤشر للمروءة ولا خمس نجوم للأمانة ولا جدول يستطيع أن يحصي أثر كلمة صادقة أعادت إلى إنسان شيئًا من نفسه. كما أن أجمل ما في البشر كثيرًا ما يحدث بعيدًا عن الأرقام حيث لا جمهور يصفق ولا منصة تسجل ولا خوارزمية تحصي.
وهنا تتجلى مفارقة عصرنا فنحن نملك من أدوات القياس ما لم تملكه أجيال قبلنا ومع ذلك قد نفقد شيئًا من قدرتنا على إدراك ما لا يُقاس.
وقد تجاوزت ثقافة التقييم حدود الخدمات والمنتجات حتى اقتربت من صورة الإنسان عن نفسه. فأعداد المتابعين والمشاهدات والإعجابات ومؤشرات الإنجاز تحيط به من كل جانب حتى يغدو من السهل أن يخلط بين قيمته وبين الأرقام التي تظهر بجوار اسمه وأن يظن أن اتساع الحضور دليل على عمق الأثر.
لكن القيمة لا تحتاج دائمًا إلى جمهور.
فكم من كتاب عظيم انتظر طويلًا قارئه وكم من فكرة سبقت زمنها فلم تجد التصفيق وكم من إنسان ترك أثرًا عميقًا في حياة آخرين دون أن يعرف العالم اسمه. فالحقيقة لا تصبح أكثر صدقًا بكثرة المصوتين لها والجمال لا يفقد شيئًا من جماله لأن أحدًا لم يمنحه النجمة الخامسة.
والأكثر إثارة أن التقييم حين يتحول من أداة إلى غاية يبدأ في تغيير الأشياء التي جاء ليقيسها. فقد يُكتب الكلام بحثًا عن التفاعل وتُصمم الأماكن لتبدو أجمل في الصورة مما هي في الواقع وتُصنع التجارب من أجل إعجاب سريع بدل أن تُصنع لتترك أثرًا طويلًا
وعندها تنقلب المعادلة
فبدل أن تكون النجوم مرآة للجودة تصبح الجودة أسيرة للنجوم وبدل أن تعكس الأرقام الواقع يبدأ الواقع في إعادة تشكيل نفسه كي يرضي الأرقام.
ولعل إحدى الحريات التي ينبغي للإنسان أن يصونها في زمن التقييم هي حرية الذائقة وحقه في أن يرى بعينيه قبل أن يستعير عيون الآخرين وأن يختبر قبل أن يحكم وأن يعجبه ما لم يعجب الجمهور وأن يمر أمام ما احتفى به الجميع دون أن يشعر أنه أخطأ الطريق.
فليس كل مرتفع التقييم عظيمًا وليس كل مجهول قليل القيمة.
والإنسان ليس منتجًا والحياة ليست متجرًا والقيمة ليست متوسطًا حسابيًا.
وربما كانت المفارقة الأعمق في سطوة النجوم الخمس أننا بدأنا بمنح النجوم للأشياء حتى وجدنا أنفسنا نعيش في عالم يمنحنا نحن أيضًا نجومه.
ليبقى السؤال المهم
هل ما زلنا نستخدم الأرقام كي نفهم العالم أم أننا صنعنا عالمًا لم يعد يعرف قيمة شيء حتى يحوله إلى رقم؟
