BlogUncategorized“ذاكرة الطيبين”

“ذاكرة الطيبين”

هناك أشخاص خرجوا من حياتنا، لكنهم لم يخرجوا من قلوبنا. وأشخاص غيّرهم الزمن أو غيّرتهم التجارب، لكننا اخترنا أن نحتفظ لهم بنسخةٍ واحدة فقط… النسخة الطيبة التي عرفناها أول مرة.

فنحتفظ بابتسامةٍ قديمة، وبموقفٍ كريم، وبكلمةٍ صادقة، ونوقف الزمن عندها وكأننا نغلق الأبواب على لحظةٍ بعينها، فلا تسمح للغبار أن يدخلها، ولا للخيبات أن تمسها. لأننا نعلم أن ما بين أيدينا الآن قد يكون مختلفًا، لكن ما نحمله في الذاكرة لا يحق لأحد أن يفسده.

فأحيانًا، نرى وجوهًا تغيّرت، وقلوبًا صارت أقسى، أو مسافات اتسعت بيننا وبين من كنا نظن أنهم جزء لا يتجزأ منّا. ومع ذلك، لا نترك لأنفسنا رفاهية الكره. بل نترك لهم في قلوبنا أرشيفًا خاصًا، محفوظًا بعناية، فلا يطاله التغيير. كأنهم في ذاكرتنا أشخاص آخرون غير الذين صاروا عليه.

فنحن لا نخدع أنفسنا… نعلم أنهم لم يعودوا كما كانوا. لكننا نتعمد أن نتذكرهم على الصورة الأجمل، لأننا ندرك أن تلك النسخة لم تكن وهمًا. بل كانت حقيقية، وكانت كافية لتجعلنا نؤمن بالخير يومًا ما،

وربما هذا نوع من الوفاء، أو نوع من الحنين. لكنه أيضًا اختيارٌ ناضج أن تحبّ صورةً ولا تسمح للخيبات أن تفسدها. وأن تفصل بين ما كان جميلًا، وما صار مؤلمًا، وتمنح لنفسك الحق في أن تتذكّر بسلام.

وفي النهاية، لسنا مضطرين أن نحمل كل صورهم. ولسنا مضطرين أن نحاكم ماضيهم بما فعلوه لاحقًا. لكن يكفي أن نقول “في وقتٍ ما، كانوا خيرًا لنا.” وهذه وحدها ذكرى تكفي لتجعل وجودهم لا يُمحى.

فالخسارات الكبيرة ليست دائمًا في الغياب، بل في أن نتذكر من أحببناهم بوجوه مشوّهة. ونحن اخترنا ألّا نخسرهم مرتين. واخترنا أن نوقف الزمن عند صورتهم الطيبة… لأن بعض الذكريات لا تحتمل أن تُعاد قراءتها إلا بصفاء القلب.

طارق نواب 3

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب