دبور وزن على خراب عشه
أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يتحوّل غضبه من رد فعل عابر إلى أسلوب حياة. وأن يصبح انفعاله هو القائد، وصوته العالي هو الدليل، وسرعته في الهدم أكبر من صبره على البناء. وفي البداية يظن أنه يفرض هيبته، أو أنه يحمي حقه، لكنه لا يدرك إلا متأخرًا أنه كان يزعزع أسسه هو أولًا.
فالغضب ليس خطيئة بذاته، لكنه حين يطول ويتكرر، يتحوّل إلى معولٍ صغير ينقر في جدران حياته يومًا بعد يوم، حتى إذا جاء العاصف وجد كل شيء هشًّا متداعيًا. فكم من شخصٍ ظن أن شدته قوة، فاكتشف أنها كانت استنزافًا؟ وكم من بيتٍ تصدّع لأن صاحبه لم يعرف أن يصبر لحظة، لكنه صبر سنوات على نتائج تهوّره؟
فالذين يتركون أنفسهم نهبًا لانفعالاتهم يشبهون من يسكن بيتًا ثم يحفر في أعمدته بيده… قد لا ينهار البيت في اليوم الأول، لكن التصدعات تبدأ صامتة، وتكبر دون أن تُرى، ثم تسقط فجأة في لحظة واحدة، فلا يبقى له مكان ولا ذاكرة.
والمأساة الحقيقية أن هذا الخراب لا يأتي من عدو، بل من أقرب الناس إلى البيت وهو صاحبه ذاته. فالآخرون قد يرحلون إن وجدوا الغضب سيدًا، لكن من يبقى هو من يدفع الثمن الأكبر… ذلك الغاضب الذي لم يعرف أن يُمسك نفسه، فاكتشف أنه خسر كل شيء ليثبت شيئًا لم يعد موجودًا.
فالقوة الحقيقية ليست في أن ترفع صوتك حتى يعلو فوق الجميع، بل أن تملك شجاعة الصمت حين يكون الغليان داخلك. وليست في أن تكسر ما بين يديك لتشعر بأنك انتصرت، بل أن تحفظه حتى لا تضطر إلى جمع شظاياه بيدٍ نادمة.
فالهدوء ليس ضعفًا. والحِلم ليس استسلامًا. بل هو بقاءٌ طويل الأمد، وصيانة لبيتٍ لا يُهدم، وصونٌ لعلاقاتٍ لا تنكسر مع أول عاصفة. أما الذين يجعلون غضبهم دليلهم، فسينتهون يومًا في خرابٍ من صنع أيديهم، يلتفتون إليه بدهشة كأنهم لم يعرفوا أنهم كانوا طوال الوقت البنّاء والهادم معًا.
لذا، فإن أسوأ الهزائم ليست تلك التي تأتيك من الآخرين، بل تلك التي تصنعها بيدك، وأنت تظن أنك تنتصر لكنك تهدم كل ما بنيته.