BlogUncategorizedحكاية رصيف

حكاية رصيف

لكل مدينة حكاياتها غير أن بعض الحكايات لا تسكن الكتب ولا تحفظها الصور بل تبقى معلقة في تفاصيل المكان ومن بين أكثر تلك التفاصيل صمتًا الرصيف الذي يمر عليه الجميع ثم يمضون بينما يبقى هو شاهدًا على ما تركوه خلفهم.

فالرصيف يعرف وجوه الصباح ويعرف وقع الخطوات المتعجلة ويعرف من خرج إلى عمله وفي قلبه حلم كبير ومن عاد آخر النهار محملًا بالتعب كما يعرف الطفل الذي ركض فوقه ضاحكًا والرجل الذي وقف عند طرفه ينتظر سيارة قد تتأخر أو خبرًا قد يغير يومه كله.

ومع مرور السنوات تتبدل الواجهات وتتغير المحال وتكبر الأشجار وتتغير أسماء الشوارع لكن الرصيف يظل محتفظًا بذاكرة لا يلتفت إليها أحد لأنه رأى أجيالًا تمشي فوقه ورأى وجوهًا حضرت ثم غابت ورأى أقدامًا صغيرة صارت مع الزمن أكثر بطئًا وثقلًا.

ولهذا فإن الرصيف ليس مجرد حافة للطريق بل هو مساحة بين الحكاية والحياة ففيه يلتقي الغريب بالعابر ويلتقي الجار بجاره ويتوقف البائع قليلًا ويتبادل الناس كلمات قصيرة قد تكون أحيانًا أكثر دفئًا من أحاديث طويلة.

وقد يبدو الرصيف في نظر البعض مجرد حجر لكن المدن لا تعيش بالحجر وحده بل بما يمر فوقه من بشر وما يتركه البشر من أثر ولذلك يحمل كل رصيف شيئًا من شخصية الحي الذي ينتمي إليه فهناك رصيف يعرف ضحكات الأطفال وهناك رصيف اعتاد خطوات كبار السن وهناك رصيف لا ينام لأن المدينة حوله لا تنام.

كما أن بعض الأرصفة تعرف الحزن أيضًا فهي شهدت وداعًا سريعًا ووقوفًا طويلًا وانتظارًا لم يكتمل وربما عرفت لحظة سقطت فيها دمعة لم يلاحظها أحد لأن الحياة من حولها كانت تمضي بسرعة.

وفي المقابل تعرف الأرصفة الفرح فقد مرت عليها خطوات العائدين وخطوات المحتفلين وخطوات من سمع خبرًا جميلًا فصار الطريق أقصر والمدينة أكثر إشراقًا في عينيه.

ومن هنا فإن الرصيف يحفظ ما لا تحفظه الذاكرة العامة لأن المدن تُروى عادة من خلال مبانيها الكبيرة وشوارعها الشهيرة ومعالمها المعروفة بينما تبقى التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحياة الحقيقية وتمنح المكان روحه.

ثم إن الرصيف يعلمنا معنى البقاء فهو ثابت بينما يتغير كل شيء حوله وهو يستقبل كل يوم وجوهًا جديدة من دون أن يسأل عن أسمائها ثم يتركها تمضي من دون أن يطالبها بأن تتذكره.

ولهذا ربما كانت حكاية الرصيف تشبه حكاية الحياة نفسها فنحن نعبر أماكن كثيرة ونترك فيها شيئًا منا ثم نمضي وقد لا ندرك أن بعض الأماكن تحفظ وقع خطواتنا أكثر مما نحفظ نحن تفاصيل مرورنا بها.

وهكذا يبقى الرصيف شاهدًا صامتًا على مدينة تتحرك باستمرار وعلى بشر يجيئون ويرحلون وعلى حكايات تبدأ وتنتهي فوق مساحته الضيقة ولذلك إذا أردت أن تعرف مدينة جيدًا فلا تنظر فقط إلى أبراجها وميادينها بل امش قليلًا على أرصفتها فقد تسمع في صمتها حكايات لم يكتبها أحد.

 

IMG 20261031 WA0087

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب