جيولوجيا الإنسان
لا أعرف لماذا نصرّ على قراءة الإنسان كما نقرأ بطاقةً معلّقة على حقيبة سفر. فالاسم والعمر والمهنة وبعض المعلومات لا تقول شيئًا تقريبًا عن صاحبها. ذلك أن الإنسان ليس بطاقة تعريف ولا واجهةً زجاجية تكشف ما وراءها، بل الإنسان أرض، والأرض كما يعرف الجيولوجيون لا تقول أسرارها لمن يكتفي بالنظر إليها من فوق. إذ تحت كل واحدٍ منا طبقات، طبقة صنعها البيت الأول، وطبقة تركتها المدرسة، وطبقة حفرتها صداقة قديمة، وأخرى أحدثها فراق لم يكن في الحسبان. وفوق ذلك هناك طبقات لا نتذكر متى تكوّنت أصلًا، لكنها موجودة وتشارك سرًا في صناعة قراراتنا ومخاوفنا وطريقتنا في الاقتراب من الآخرين.
ولذلك فالسنوات في رأيي لا تمر، وإنما تترسّب. وهذا ما يفسر لماذا لا يتشابه اثنان بلغا الخمسين في اليوم نفسه، فأحدهما وصل إليها قليلَ الرواسب كأنه لم يحمل من الطريق إلا حقيبةً صغيرة ، بينما وصل الآخر محملًا بطبقات من التجارب تكفي لبناء جبل. وهكذا يكون العمر رقمًا واحدًا، لكن الجيولوجيا مختلفة تمامًا. ولهذا أخطئ كلما ظننت أنني فهمت إنسانًا من موقف واحد، فقد أرى رجلًا قليل الكلام فأصفه بالبرود، ولا أعرف أن الكلام كلّفه ذات يوم خسارةً كبيرة. وقد أرى شخصًا شديد الحذر فأحسبه معقدًا، بينما لا أعرف كم مرةً سلّم مفاتيحه لمن دخلوا قلبه ثم خرجوا ومعهم شيء منه.
ومع ذلك فنحن بارعون في رؤية السطح وسيئون جدًا في قراءة الطبقات، إذ إن القسوة التي نستنكرها قد تكون أحيانًا قشرةً تكونت فوق هشاشة قديمة، كما أن المبالغة في الضحك قد تكون طريقةً مهذبة لإخفاء صدع لا يريد صاحبه أن يراه أحد. غير أن هذا لا يعني أن نمنح الأخطاء صكوك الغفران، فالإنسان مسؤول عن أفعاله مهما كانت حفرياته النفسية عميقة. لكن الفهم شيء والتبرير شيء آخر، ومن ثمّ فمن العدل أن نحاول معرفة تضاريس الحكاية قبل أن نصدر حكمًا نهائيًا على صاحبها.
ومن هنا فالنضج ليس أن تهدم طبقاتك القديمة فلن تستطيع، بل النضج أن تعرفها، بأن تعرف أين تقع انكساراتك وما الذي يحركها وأي الأشخاص يعيدون فتح مناجم أغلقتها منذ سنوات. ثم أن تدرك أن الذين يعيشون معك اليوم ليسوا مسؤولين عن زلازل حدثت لك بالأمس. وفي المقابل ليست في أعماق الإنسان تصدعات فقط، بل هناك معادن أيضًا، فالرحمة كثيرًا ما تُستخرج من منجم الألم، والحكمة غالبًا لا تولد في الأماكن المريحة، كما أن الصبر معدن لا يتشكل إلا تحت ضغطٍ طويل.
ولهذا كله حين تقابل إنسانًا لا تسأل كثيرًا عن عمره، بل اسأل إن استطعت عن طبقاته، فشهادة الميلاد تخبرك متى جاء إلى الدنيا، أما جيولوجياه فتخبرك ماذا فعلت الدنيا به، والأهم من ذلك ماذا فعل هو بما فعلته الدنيا به.
