الفصحى في زمن الاختصار
لم تعد اللغة العربية تواجه خصمًا يحمل معولًا لهدمها وإنما تواجه زمنًا مستعجلًا لا يملك الصبر على إكمال كلمة.
فقد دخلنا عصرًا أصبحت فيه السرعة جزءًا من طريقة التفكير ولم يعد الاختصار مجرد وسيلة لتوفير الوقت بل تحوّل إلى سلوك يومي تسلل من الرسائل إلى الحديث ومن المنصات إلى الكتابة حتى باتت بعض الكلمات تُبتر وبعض الجمل تُختزل والمشاعر نفسها تُسلَّم إلى رمز صغير يتولى التعبير عنها.
ومع ذلك فإن المشكلة ليست في الاختصار ذاته فاللغة كائن حي يعرف كيف يتكيّف ويختصر ويتمدد ويستعير ويبتكر وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول الاختصار من مهارة إلى عجز وحين يصبح الاقتصاد في الكلمات فقرًا في المفردات وحين يطغى الاستعجال على المعنى.
فالفصحى لم تكن يومًا لغة متحف ولا قطعةً ثمينة نضعها خلف الزجاج وإنما كانت لغة سوق وشعر وعلم ورسائل وثقافة وحب كما عبرت قرونًا كاملة لأنها امتلكت مرونةً مدهشة وقدرةً على استيعاب الجديد من دون أن تفقد ملامحها أو تتخلى عن موسيقاها الكامنة.
لكن السؤال اليوم مختلف فماذا يحدث حين ينشأ جيل يقرأ عشر كلمات ثم يبحث عن زر تخطي؟
فهنا لا تكون المعركة بين الفصحى والعامية ولا بين القديم والحديث بل بين لغة تحتاج شيئًا من التأمل وعصرٍ يريد المعنى قبل أن تكتمل الجملة ويريد الفكرة مضغوطة والصورة جاهزة والانفعال في ثوانٍ معدودة.
فالمنصات الرقمية أعادت تشكيل ذائقتنا اللغوية إذ أصبح العنوان ينافس المتن وأصبحت الجملة القصيرة أكثر قدرة على الارتحال كما غدت الكلمة مطالبةً بأن تؤدي مهمتها بسرعة قبل أن تمر عليها إصبع القارئ إلى المحتوى التالي.
غير أن الفصحى لا تحتاج إلى أن تتنكر لنفسها كي تعيش في هذا الزمن بل تحتاج إلى كتّاب يعرفون كيف يجعلونها خفيفةً من غير ابتذال ورشيقةً من غير إفقار ومعاصرةً من غير أن تُنتزع منها هيبتها.
فالبلاغة ليست في ازدحام القواميس ولا في استعراض الكلمات النادرة وإنما في أن تصل العبارة إلى مكانها بأقل قدر من الضجيج وأكبر قدر من الأثر ولذلك ربما يكون عصر الاختصار فرصةً للفصحى لا تهديدًا لها إذا تعلّمنا كيف نكتب الجملة المحكمة بدل الجملة المترهلة.
كما أن مسؤولية بقاء الفصحى لا تقع على المدارس وحدها لأن اللغة التي لا تعيش في الهاتف والمقهى والإعلان والمنصة والشاشة ستظل بالنسبة إلى أجيال جديدة لغةً مرتبطةً بالاختبار أكثر من ارتباطها بالحياة.
ولهذا يصبح حضورها في المحتوى المعاصر ضرورة لا ترفًا فحين يسمعها الشاب في بودكاست ممتع ويقرأها في منشور ذكي ويرى بها إعلانًا رشيقًا أو حوارًا حيًا فإنه يكتشف أنها ليست لغة المناسبات الرسمية فقط بل لغة قادرة على المزاح والسؤال والدهشة والاختلاف وصناعة الفكرة الحديثة.
ولعل الخطر الحقيقي لا يكمن في ظهور مفردات جديدة أو في استعارة مصطلحات فرضتها التقنية لأن اللغات القوية لا تخاف من الوافد وإنما تخاف من أن يتوقف أهلها عن إنتاج المعنى بها.
فاللغة لا تبقى حيّة بما تحفظه المعاجم وحدها وإنما بما يفعله الناس بها كل يوم.
ولذلك فإن المطلوب ليس أن نحرس الفصحى من العصر بل أن نأخذها معنا إليه وأن نجعلها قادرةً على مخاطبة الإنسان الحديث بلغته الزمنية من دون أن تفقد نسبها اللغوي.
فالعربية عبرت قرونًا من التحولات ولم تُهزم لأنها كانت أوسع من عصورها ولأنها كلما دخلت زمنًا جديدًا وجدت لنفسها مكانًا فيه.
فالفصحى لا تحتاج من يبكي عليها بقدر ما تحتاج من يستخدمها بثقة.
ولعل التحدي اليوم ليس أن ننقذ الفصحى من الاختصار بل أن ننقذ الاختصار من أن يصبح اختصارًا للفكر نفسه.
