BlogUncategorizedالفاتورة الكونية

الفاتورة الكونية

نحن نعيش وكأن العالم يعمل بنظام النسيان، نفعل ما نشاء ونمضي كما نشاء، ونؤجّل الحساب إلى وقت نظنه بعيدًا، بينما الحقيقة أبسط وأقسى، فلا شيء يضيع، ولا شيء يُلغى، كل شيء يُسجَّل. فالفاتورة الكونية لا تصل دفعة واحدة ولا تحمل عنوانًا واضحًا، بل تتسلل بهدوء في هيئة تعبٍ مفاجئ، أو خسارة غير متوقعة، أو صمتٍ عميق لا تُجدي معه التفسيرات، وحين نقرأ تفاصيلها متأخرين نكتشف أن البنود كُتبت منذ زمن. فكل كلمة قلناها ولم نعتذر عنها، وكل فرصة أهملناها، وكل إنسان كسرناه ثم مضينا، وكل حق تجاهلناه لأننا كنا أقوى، وكل مرة خذلنا فيها أنفسنا وأقنعناها أن الأمر بسيط، كانت بندًا صغيرًا في فاتورة طويلة. فالفاتورة الكونية لا تُراكم الأرقام فقط بل تُراكم المعاني، فهي لا تحاسبك على ما أخذت بل على ما كان يجب أن تعطيه ولم تفعل، فتحاسبك على الصمت حين كان الكلام واجبًا، وعلى الكلام حين كان الصمت أكرم، وعلى النية قبل الفعل، وعلى الوعي قبل القرار. فنخطئ حين نظن أن النجاة في الذكاء أو الالتفاف أو الإفلات المؤقت، فالكون لا يتعجل لكنه لا ينسى، فقد يمنحك الوقت ويتركك تظن أنك خرجت سالمًا، لكنه في النهاية يعيد التوازن دائمًا. فالفاتورة الكونية لا تُناقَش ولا تُساوَم ولا تُقسَّط، تُدفع كما هي وبالعملة نفسها التي استُهلكت بها، فإن كانت قسوة دُفعت وجعًا، وإن كانت ظلمًا دُفعت خسارة، وإن كانت تجاهلًا دُفعت وحدة، وإن كانت خيرًا دُفعت طمأنينة لا تُشترى. وما يخيف ليس وصول الفاتورة بل لحظة الفهم، حين تدرك أن ما يحدث الآن ليس ظلمًا من الحياة ولا حظًا عاثرًا، بل نتيجة منطقية لسلسلة خيارات لم تُراجع في وقتها. ومع ذلك فليست كل فاتورة عقابًا، فبعضها مكافأة مؤجلة، وبعضها يأتيك على هيئة أشخاص يشبهون قلبك، أو أبواب تُفتح في لحظة يأس، أو نجاة صامتة، لأن الخير أيضًا يُسجَّل، والنية الطيبة لا تضيع، والعدل لا يُهمل. فهناك فواتير تُسدَّد على شكل دروس، وأخرى على هيئة نضج مفاجئ، وثالثة تأتيك كوعي متأخر يغيّر اتجاهك كله، فالكون لا ينتقم بل يُعلّم. وحين تفهم هذه القاعدة، ستدرك أن الاعتذار ليس ضعفًا، والتراجع ليس خسارة، والتصحيح ليس هزيمة، بل محاولة ذكية لتقليل الكلفة قبل صدور الفاتورة النهائية. لهذا، فراقب أفعالك الصغيرة قبل الكبيرة، ونقِّ نواياك قبل أن تبررها، وكن عادلًا حتى في غياب الشهود، لأن الحساب لا يحتاج إلى جمهور. فمن يفهم الفاتورة الكونية لا يعيش قلقًا، ولا يظلم مطمئنًا، ولا يخذل وهو يبتسم، بل يواصل دون ضجيج ، مدركًا أن كل خطوة، وكل نية، وكل أثر، ستعود إليه يومًا ما، بشكل ما، وفي وقت لا يخطئ.

٢٠٢٦٠٢١١ ١٧١١٥٨

٢٠٢٦٠٢١١ ١٧١١٥٨

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب