BlogUncategorizedالعيد إلكتروني

العيد إلكتروني

كان العيد فيما مضى يحمل طابعًا خاصًا، حيث يمتزج فيه الدفء بالبساطة، وتتزين البيوت برائحة الدبيازة وحلوى العيد، وتعم الفرحة في العيون قبل الشوارع. فقد كان العيد يأتي وكان لقاء العائلة به شيء مقدس، حيث يجتمع الكبير والصغير في بيت الجد، وتمتلئ الجلسات بأحاديث لا تنتهي، وضحكات لا تهدأ. وكان الأطفال يركضون بين الأزقة، ويطرقون الأبواب بملابسهم الجديدة وهم فرحون بـ”العيدية”، وينطلقون إلى الأسواق والملاهي البسيطة التي كانت يومًا قمة البهجة.

لكن مع مرور الزمن، تغير كل شيء. وأصبحت الأعياد تمضي بسرعة خاطفة، بلا ذلك الترقب الطويل الذي كان يسبقها. فلم تعد البيوت تعج بصوت تجهيز الحلويات كما كانت، فالمخابز والمحال تكفلت بالمهمة. ولم تعد العائلات تجتمع كما في السابق، فالبعض يسافر، والآخر منشغل، وصلة الرحم باتت تختصر في رسالة نصية أو مكالمة عابرة. حتى العيدية التي كانت تُقدم باليد وسط ضحكات الأطفال، تحولت إلى تحويل بنكي أو “محفظة إلكترونية”.

فاليوم، أصبح العيد إلكترونيًا بامتياز. فالتهاني لم تعد تُقال وجهاً لوجه، بل عبر ملصقات ورسائل جاهزة في تطبيقات التواصل. واللقاءات الحقيقية تراجعت لصالح مكالمات الفيديو، وأحيانًا يكتفي البعض بوضع صورة معايدة على مواقع التواصل دون حتى أن يوجهها لأحد بعينه. وحتى الألعاب التي كانت تُشترى للأطفال صارت رقمية، تُحمل على الأجهزة اللوحية بدلاً من أن تُمسك بالأيدي. فكل شيء بات سريعًا ومختصرًا، ويفتقد تلك اللمسة الحقيقية التي كانت تمنح العيد نكهته الخاصة،

وربما لم يفقد العيد جوهره تمامًا، لكنه تغير. فلم يعد الزمن كما كان، ولم تعد العادات كما كانت. ورغم أن التكنولوجيا قرّبت المسافات، إلا أنها في الوقت ذاته صنعت فجوة غير مرئية بين القلوب إلى أن أصبح العيد مناسبًة تأتي وتمضي، ولا تُحدث في الذاكرة ذاك الأثر الذي كانت تتركه قديمًا. ومع ذلك، يبقى الأمل في أن نجد طرقًا جديدة تعيد للعيد بعضًا من دفئه المفقود، حتى وإن كان ذلك في عالم أصبح رقميًا أكثر مما ينبغي.

IMG 20250329 WA0023

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب