BlogUncategorizedالجندي المجهول

الجندي المجهول

هناك أشخاص يمرّون في حياة الجميع، لكن لا أحد يتذكّرهم وقت الحاجة. فهم لا يظهرون في قوائم الشكر، ولا تُكتب أسماؤهم في المنشورات العاطفية، ولا يتصدرون المشاهد. ومع ذلك، لا أحد قدّم أكثر منهم.

هؤلاء هم الذين يعملون في الخلفية. فلا يطلبون المقابل، ولا ينتظرون الاعتراف. فهم فقط يعطون بهدوء، ويدعمون دون صوت، ويتحرّكون بخفة حتى لا يُشعروا الآخرين بثقل معروفهم. وهم أول من يُسقطهم النسيان حين تأتي العاصفة.

ليس لأنهم بلا قيمة، بل لأنهم ببساطة لا يُذكّرون أحدًا بوجودهم. ولا يُطالبون بحق، ولا يطلبون مكانًا. فهم يمرّون كأنهم هواء… ضروري، لكنه لا يُرى. ومع أن أفعالهم هي التي حافظت على تماسك أشياء كثيرة، إلا أنهم آخر من يُذكر حين تُوزّع الكلمات الطيبة.

والمفارقة أن أكثر من خدموا، كانوا أقل من تحدّث عن أنفسهم. لأن النية في عطائهم كانت صافية، والهدف لم يكن ظهورًا أو رصيدًا اجتماعيًا، بل فعلًا صادقًا من إنسان لا يُجيد أن يرى الآخرين يسقطون دون أن يمد يده.

بالإضافة إلى أنهم أول مَن يُستبعدون من أولويات الناس عند الأزمات، رغم أنهم كانوا الملاذ حين سقط الجميع. يُنسَون لأنهم لم يطلبوا أن يُحفَظوا. فلا يحتجّون، ولا يذكرون كم مرة وقفوا، وكم مرة سكتوا، وكم مرة قدّموا أكثر مما يُفترض.

لكن الحقيقة لا تنكرهم. فالذاكرة الصامتة تحفظهم، والقلوب النقية تعرفهم، والضمير مهما غفا، لا ينجو من صداهم.

ولذلك، لا أحد يفهم قيمة هؤلاء إلا حين يُختفون… حين يُفاجأ من حولهم بأن غيابهم ترك فجوة لا تُملأ، وصمتهم كشف كم كانوا سندًا دون أن يطلبوا الاعتراف بذلك.

فالذين لا يُذكرون وقت الأزمة… هم أنفسهم الذين منعوا أزمات كثيرة من أن تقع. وهم أيضًا، إن عادوا وقدموا، يفعلونها بنفس الهدوء… لأنهم لا يحتاجون أن يُشكروا ليظلوا طيبين.

IMG 20250808 WA0057

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب