BlogUncategorizedالازدحام البصري… في معرض الصور

الازدحام البصري… في معرض الصور

في هذا العصر الذي لم يعد يكتفي بأن يمرّ، بل يُصرّ على أن يُوثَّق، فتحوّل الضوء إلى لغةٍ يومية، وتحولت الصورة إلى وسيلةٍ لاكتساب الحضور، لا لمجرّد حفظه. فلم نعد نعيش اللحظة بقدر ما نُحيطها بعدساتٍ متعدّدة، ونغمرها بوابلٍ من اللقطات، حتى تغدو من فرط ما صُوِّرت أقلّ حياةً مما كانت عليه وهي تُحتضن. وفي قلب هذا الفيض، يتشكّل ما يمكن تسميته بـ”الازدحام البصري”، لا بوصفه ظاهرةً تقنية، بل بوصفه حالةً وجودية خفيّة، تتسلّل إلى وعينا دون استئذان. وهو ذلك الامتلاء الذي لا يمنحك وضوحًا، بل يُربكك، وتلك الكثرة التي لا تُثريك، بل تُرهقك، حتى تُصبح عيناك محاصرتين بمشاهد لا تنتهي، وقلبك عاجزًا عن التعلّق بأيٍّ منها.

إن معرض الصور في هاتفك لم يعد مجرّد أرشيف، بل صار مرآةً صامتة تعكس علاقتك بالزمن، وبالاختيار، وبالمعنى. وحين تزدحم هذه المرآة بالصور المكرّرة، فإنها لا تعكسك كما أنت، بل كما تناثرت ملامحك. فكل صورةٍ مكرّرة ليست مجرد نسخةٍ إضافية، بل علامةٌ على تردّدٍ لم يُحسم، وعلى لحظةٍ لم تُحترم بما يكفي لتُختصر في لقطةٍ واحدة. فنلتقط الصورة، ثم نُعيدها، ثم نُكرّرها، كأننا نفاوض الزمن على لحظةٍ إضافية، أو نساوم الذاكرة على ضمانٍ أطول، لكننا لا نُدرك أن اللحظة التي تحتاج إلى عشرات النسخ لم تُعش كما ينبغي، وأن الجمال، في جوهره، لا يُحبّ التكرار، بل يُزهر في الندرة، ويُقيم في الاختيار.

ومع هذا التراكم الصامت، يتحوّل المعرض إلى ضجيجٍ بلا صوت، إلى ازدحامٍ لا يُرى لكنه يُشعر، إلى ثِقلٍ خفيّ يتسلّل إلى ذاكرتك كلما حاولت العودة. فتمرّ الصور أمامك، لكنك لا تقف عندها، لأن كثرتها ألغت خصوصيتها، وتكرارها أفقدها قدرتها على الإدهاش. فتصبح الذكرى رقمًا، واللحظة ملفًا، والحياة سلسلةً من النسخ التي لا تُضيف شيئًا سوى المزيد من الامتلاء الفارغ. وهنا يتجلّى السؤال الأعمق فهل نحن نحفظ اللحظات أم نُرهقها؟ وهل نُوثّق الحياة أم نُغرقها في تكرارٍ يُفقدها معناها؟

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الصورة، بل في فائضها، في تلك الرغبة الخفيّة في الاحتفاظ بكل شيء، وكأننا نخشى أن نفقد، فنلجأ إلى التكديس بدل الفهم، وإلى الحفظ بدل الاختيار. غير أن ما لا نختاره بوعي، لا يبقى فينا بصدق، وما لا نمنحه معنى، لا يستحق أن يُقيم في ذاكرتنا. فحذف الصور المكرّرة ليس عملاً تقنيًا بقدر ما هو موقفٌ فلسفي من الحياة، وهو إعلانٌ صامت بأنك لا تحتاج إلى هذا الكمّ لتُثبت جمال لحظة، ولا إلى هذا التكرار لتحتفظ بها، بل تحتاج إلى وعيٍ يختار، وإحساسٍ يُدرك أن الامتلاء الحقيقي ليس في الكثرة، بل في الصفاء.

فعد إلى معرض صورك، لا كمن يُقلّب ملفات، بل كمن يُعيد كتابة سيرته. وانظر إلى كل صورة، واسأل هل تُشبهني؟ هل تُضيف إليّ؟ وهل تختصر لحظةً تستحق؟ فإن لم تفعل، فاتركها تمضي. فالحذف هنا ليس فقدًا، بل تحريرًا، وليس نقصًا، بل اكتمال، لأن ما يبقى بعد التصفية هو ما يليق بك. وفي النهاية، الذاكرة ليست مستودعًا، بل فنّ اختيار، والوضوح لا يولد من كثرة ما نرى، بل من جودة ما نُبقيه، واللحظة التي تُحترم لا تحتاج إلى تكرار. فدع معرضك يتنفّس، ودع صورك تقلّ لتقول أكثر، ودع الازدحام ينحسر ليظهر ما كان يستحق أن يُرى منذ البداية.

 

IMG 20260501 WA0027

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب