BlogUncategorizedاستراحة محارب

استراحة محارب

ليست كل عزلة هروبًا، ولا كل تراجع ضعفًا، ولا كل ابتعاد يعني أنك لم تعد تهتم. فأحيانًا، يكون الصمت هو الطريق الوحيد لتسمع نفسك من جديد. وأحيانًا، تكون المسافة التي تحتاجها من كل شيء، هي الشيء الوحيد الذي يحمي ما تبقى منك.

ففي زحام العلاقات، والتوقعات، والكلمات التي لا تُقال، يصبح من الصعب أن ترى صورتك بوضوح. فتتداخل الأصوات، وتتراكم الانطباعات، ويبهت صوتك بين ما يجب أن تكون عليه، وما يريد الآخرون أن يروك فيه. وهنا، لا يعود المرء يعرف هل هذه قراراته فعلًا؟ أم هي استجابات لما يراه مقبولًا في عيون غيره؟

فالمساحة التي تأخذها لتفهم نفسك، هي فعل وعي لا فعل انسحاب. وهي ايضًا لحظة مراجعة ليست لحظة نكران… فيها تعيد ترتيب الداخل، وتسترجع صوتك بعيدًا عن ضجيج الخارج. فهي مساحة لا تطلب فيها تفسيرًا من أحد، ولا تمنح فيها تبريرًا لأحد. فقط تجلس مع نفسك، وتسألها من أنا الآن؟ وما الذي أحتاجه فعلًا؟

فكل من حولك قد لا يفهم ذلك وقد يظنونك تغيّرت، أو أنك تبتعد عنهم، أو أن الصمت دليل على برود المشاعر. لكنك تعرف أن ما تفعله ليس سوى محاولة للبقاء… أن تبقى قريبًا من نفسك، متماسكًا من الداخل، بدل أن تكون حاضرًا في كل مكان فيما قلبك غائب عنك.

فلا أحد يستطيع أن يعيش عمره كله على وضع واحد، ولا أحد مطالب بأن يكون واضحًا دائمًا، وحاضرًا دائمًا، وجاهزًا دائمًا للتفسير. فأحيانًا، أكثر ما يحتاجه الإنسان هو أن يُغلق بابه دون خجل، ويصغي إلى صمته. وهذا ليس ليهرب من العالم، بل ليجد مكانه الحقيقي فيه.

فالذين يحبونك بصدق، سيفهمون حاجتك إلى المسافة. فلن يطاردوك بالأسئلة، ولن يقفوا على بابك ينتظرون تفسيرًا. وسيفهمون أن المحبة الصادقة لا تطالبك بالحضور المتواصل، بل تمنحك الأمان لتغيب قليلًا، وتعود كما أنت، لا كما يتوقعونك.

وهكذا، حين تعود… تعود بثبات أكبر. لأنك عدت بعد أن أمسكت بيدك، وفهمت نفسك من جديد، لا بعد أن أرهقتك محاولات البقاء في مكان لم يكن فيه صوتك مسموعًا.

فالمساحة التي تحتاجها لنفسك، ليست ترفًا عاطفيًا، ولا أنانية مغلّفة بلغة فلسفية. لكنها ببساطة، ضرورة كي لا تخسر نفسك وأنت تحاول أن تُرضي الجميع.

IMG 20250713 WA0078

مشاركة المقالة

https://tnawab.sa

الكاتب طارق محمود نواب