أستاذًا بلا لقب.. وكبيرًا بلا شهادة
ليس كلُّ من نال لقبًا صار أستاذًا، ولا كلُّ من حاز شهادةً صار كبيرًا.
فهناك من تخرّج من مدرسة الحياة،
وحمل في ملامحه من التجارب ما يعجز عنه المنهج والكتاب.
كبير، لأن الحروف انحنت له، لا لأنه جلس على منصة،
وأستاذ، لأن العقول تفتّحت بنوره،
لا لأن ورقةً اكتفت بأن تشهد له.
فيُدرِّس بالصمت أكثر مما يُدرَّس بالكلام،
ويُلهم بالموقف أكثر مما يُقنع بالحُجّة.
فقد لا يعرف قواعد النحو، لكنه يتقن نحو القلوب،
وقد لا يحفظ تاريخ الأمم، لكنه يكتب سطرًا خالدًا في ذاكرة الناس.
فهو من يُعيد تعريف الحضور حين تراه بسيطًا في هيئته،
عميقًا في حكمته، يمرّ فتشعر أن الضوء مرّ مع خطواته.
وبعضُ الكبار لا تُخلّدهم الجامعات،
بل تُخلّدهم القلوب التي تغيّرت بهم دون أن تكتشف كيف.
وهو الذي يزرع فيك القناعة بأن الكلمة لا تُقاس بحجمها،
بل بمقصدها، وبصدق صاحبها.
فتراه ساكنًا، وفي سكونه ضجيج بصيرة،
يُصلح بفكرة، ويُهذّب بنظرة،
ويترك من حوله أهدأ مما وجدهم عليه.
فهو ذاك الذي إذا تكلّم اختصر الطريق،
وإذا صمت علّم أكثر مما قيل.
لا يرفع صوته ليُرى، فحضوره يكفي.
فيمشي بين الناس كأنه عابر، لكنه مقيم في الوجدان.
وإذا أخطأ علّمك التواضع، وإذا أصاب علّمك الصمت.
فلا يترك خلفه ضجيجًا، بل أثرًا نقيًا يشبه الطمأنينة.
فلا يبحث عن الضوء،
فالضوء يتعرّف عليه وحده.
ولا يلهث خلف الألقاب، لأن الجوهر أسبق منها.
فيكفيه أنه مرّ في الحياة خفيفًا،
لكنّه ترك فيها أثرًا لا يُمحى،
فمِن الكبار من لا يُكتب عنهم التاريخ، بل يكتب التاريخ بهم.

